فوز القوات اللبنانية، للمرّة الأولى، بـ16 مقعداً في الانتخابات النيابية، طغى على ما عداه من حديث انتخابي. «إذا ما استمرّ هذا الوضع، سنستفيق في الـ2022 على ثلاثين نائباً للقوات»، يُعلّق أحد السياسيين ساخراً. تنامي قدرات قيادة معراب، وأرقامها غير المتوقعة في عددٍ من الأقضية (كسروان ــــ الفتوح مثلاً)، شكّلا مفاجأة سياسية في البلد. إلا أنّ الحديث عن أنّ «القوات»، هي الفريق الوحيد الذي خرج «مُنتصراً» من هذه الانتخابات، فيه شيءٌ من «الإجحاف» بحقّ بقيّة القوى. فماذا يُسمّي المُحللون والسياسيون والأحزاب، ما حقّقه حزب الله وحركة أمل والحلفاء المُستقلون لفريق 8 آذار، الذين كسروا «احتكار» تيار المستقبل في أكثر من دائرة؟ كذلك لا يجوز تحميل معراب أكثر ممّا تحتمل، بالقول إنّ «قدرات القوات الذاتية» حقّقت لها هذا العدد من المقاعد. فالقوات اللبنانية، لم تكن ربما قادرة على تحقيق «الانتصار» في دوائر عدّة، كالبقاع الشمالي وعكار، لولا التحالف مع تيار المستقبل. كذلك فإنّ ستّة من النواب المُنتخبين الـ16، لا ينتمون حزبياً إلى «القوات»، بل جرت الاستعانة بـ«قدراتهم» في المناطق التي كانت، حتّى يوم الأحد، مُقفلة بوجه سمير جعجع وحزبه. هؤلاء هم: هنري شديد (البقاع الغربي)، جان طالوزيان (بيروت الأولى)، جورج عقيص وقيصر المعلوف (زحلة)، زياد حواط (جبيل) وأنيس نصار (الشوف). علماً بأنّ مصادر بارزة في تيار المستقبل تؤكد أنّ شديد سيكون عضواً في «تكتل لبنان أولاً». كيف لا، وقد فشل التحالف بين «المستقبل» والتيار الوطني الحرّ في البقاع الغربي، بسبب المقعد الماروني، الذي أصرّ «المستقبل» على أن يكون من حصّته ويسنده إلى هنري شديد. فتكون بذلك كتلة «القوات» قد انخفضت إلى 15 نائباً.

أحزابٌ وتيارات أخرى، حقّقت أيضاً أرباحاً من هذه الانتخابات، لا تقلّ أهميّة عن نتيجة القوات اللبنانية. الحديث هنا عن التيار الوطني الحرّ، الذي تمكّن من الفوز بـ18 مقعداً حزبياً، للمرّة الأولى، بالإضافة إلى نائبين يُمثلان «الحالة العونية»، هما شامل روكز وفريد البستاني. 18 «رفيقاً» وصلوا إلى البرلمان، في ظلّ «الاتهامات» بحق التيار العوني بأنّه «طعّم» لوائحه بمُتمولين ورجال أعمال، بهدف توسيع بيكار فوزه. عُدَّ هذا «التكتيك» خطأً من قبل رئيس الحزب الوزير جبران باسيل، لما له من تردّدات سلبية على وضع الحزبيين الانتخابي. فالعديد من هؤلاء «الحلفاء»، ركّز ماكينته الانتخابية على جذب القاعدة الشعبية العونية، عوض التأثير بالناخبين المُستقلين أو الرماديين. على الرغم من ذلك، كانت النتيجة، فوز «المناضلين» (الكلمة التي يحلو للمُلتزمين في «التيار»، أن يُميزوا بها أنفسهم عن غيرهم)، على حساب العديد من مُرشحي «العيارة». فيكون التيار الوطني الحرّ قد حصد أكبر كتلة حزبية في لبنان، وشكّل واحدة من الكُتل الكُبرى، تضمّ 28 عضواً، مُلتزمين سياسة «العهد».
حجم الكتلة هو «الانتصار» الذي حقّقه التيار الوطني الحرّ، والعهد. فقد نجح الرئيس ميشال عون، بعد سنة ونصف سنة على انطلاقه عهده، في تأمين كتلة نيابية تحقق توازناً سياسياً في المرحلة المُقبلة. في الشكل، الرقم 28 هو نجاحٌ للتيار الوطني الحرّ، والحلفاء الذين ساعدوه على بلوغ هذه النتيجة. إلا أنّ ذلك لا يلغي وجود ملاحظات عدّة.

تعتبر «القوات» أنّ هنري شديد سيكون في تكتلها، الأمر الذي تُنكره مصادر «المستقبل»


وهج عون القوي، كان أساس خيار الناس الانتخابي. يُضاف إلى ذلك، التحالفات التي لجأ إليها «التيار» من أجل تحسين وضعيته الانتخابية، كدائرة صيدا ــ جزين، حيث كان هناك تحالف مع الجماعة الاسلامية، ما أدّى إلى رفع حاصل اللائحة وتأمين الفوز بالمقعد الكاثوليكي. التحالفات و«الحظّ»، كانا سبباً في فوز جورج عطالله (الكورة) وأنطوان بانو (بيروت الأولى) وفريد البستاني (الشوف) وإدكار طرابلسي (بيروت الثانية) وسليم الخوري (جزين)... استفاد هؤلاء من عدم تأمين لوائح أخرى للحاصل الانتخابي، حتّى يحجزوا لأنفسهم مقعداً نيابياً. تماماً كما حصل مع أحزابٍ أخرى.
الانتصار العددي، لا ينفي حقيقة أنه سُجّل تراجع في القدرة التجييرية للتيار، في معظم الدوائر. قسمٌ من ذلك يعود إلى انكفاء نسبةٍ من الناخبين عن المشاركة، والقسم الثاني بسبب تشتت الكتلة العونية بين المُرشحين. في قضاء كسروان ــ الفتوح، مثلاً، نال نعمة افرام 10717 صوتاً، 7300 لشامل روكز، 6793 لروجيه عازار، 6589 لمنصور البون، و3892 لزياد بارود. كلّ واحد من المُرشحين الخمسة، استفاد من القاعدة الحزبية العونية والشعبية، فظهر روكز وعازار «أضعف» من افرام. الحالة نفسها حصلت في الدوائر الـ15. فعوض أن تُحدّد قيادة «التيار»، المُرشحين الذين تُريد أن تدعمهم حزبياً، وتُركز جهودها عليهم، رشّحت في كلّ قضاء أكثر من مُرشح.
وهكذا، أُنهك الحزبيون بمعارك داخلية، من أجل تأمين كلّ منهم لأكبر عددٍ من الأصوات التفضيلية، فجرى إهمال المعركة الأساسية مع الخصوم. القوات اللبنانية كانت المُستفيد الأكبر من تصرّف «التيار» الانتخابي. «لَعِبَتها» بطريقة ذكيّة. فإضافةً إلى عمل ماكينتها الانتخابية الجدّي طوال الأعوام الماضية، كان لـ«القوات» في كلّ قضاء مُرشح واحد، وُظّفت من أجل إنجاحه الجهود اللازمة. فتمكنت من العمل على الناخبين الحياديين، وعلى القاعدة المُشتركة مع بعض الشخصيات المستقلة، كفريد هيكل الخازن وبطرس حرب وفارس سعيد.
يُحاول قسمٌ من السياسيين «السُّخرية» من قول إنّ التيار الوطني الحرّ فاز بكتلة نيابية كبيرة، على اعتبار أنّ «تكتل لبنان القوي» يضمّ النائب طلال أرسلان وحزب الطاشناق و«مستقلين»، في مقابل اعتبارهم أنّ القوات اللبنانية (15 نائباً) وتيار المستقبل (20 نائباً) حققا «انتصاراً». إلا أنّ هؤلاء يغفلون أنّ «التيار» يملك كتلة من 20 نائباً عونياً (مع شامل روكز وفريد البستاني). أما القوات، فأوصلت 10 نواب حزبيين من أصل الـ15 داخل تكتلها. أما العشرون نائباً لتيار المستقبل، فمن بينهم حلفاء (محمد كبارة، عثمان علم الدين، تمام سلام، عاصم عراجي)... وآخرون مثل وليد البعريني، محمد سليمان، ومحمد القرعاوي، الفئة التي يصح القول فيها «بالإعارة».



مصطفى الحسين: لم أحسم انتمائي إلى الكتل
صار المُرشح العلوي مصطفى الحسين (دائرة عكار) نائباً بموجب النتائج الرسمية لهذه الدائرة. اعتبره «التيار» عضواً في تكتل لبنان القوي. سألت «الأخبار» النائب الفائز، فأجاب بأنّه لن يكون إلا مع «التكتل الذي يتعهد بمساعدتنا على تحصيل حقوق الناس في عكار، مع تأكيدنا خيارين لا نحيد عنهما: سوريا والمقاومة». يختم بالقول إنّه لم يحسم موقعه بعد.