الصورة مدهشة. لا يتعب المرء من النظر إليها. جمانة حدّاد اعتلت حافة السور الصغير. قبضات مرفوعة وأيد تصفّق وشعارات تطالب بـ«الديمقراطيّة» و«الحريّة». الحماسة الشعبية توحي بأننا في أحد شوارع الحي اللاتيني، في باريس، قبل خمسين عاماً. لولا واجهة المسجد التي تعيدنا إلى حي الصنائع. وأشجار الجاكارندا في الخلفية من العلامات الفارقة لهذا الحي البيروتي. والعلم اللبناني. وراية المثليين بألوان قوس القزح. الضوء منعش في آخر هذا النهار الربيعي الحائر. تتعرّف بين الحشود على بعض الوجوه الأليفة، وتبتسم.

الصورة «روائيّة» أكثر منها «وثائقيّة». في كثير من الأعمال الفنيّة المهمّة التي أنتجها جيل «الفن المعاصر» في لبنان، تضيع الحدود بين المتخيّل والواقعي. وفي هذه الصورة أيضاً لسنا بعيدين عن «الفن المعاصر». الجمهور متردد بين الثورة ولقطة الفيديو. إننا أمام «عرض أدائي»، عند الخط الفاصل بين الكذب والحقيقة. طبعاً كون الصورة منشورة في الصفحة 2 من جريدة «الأخبار» (أمس)، يعني أن الخبر «سياسي». لكنّك تشك لوهلة، تتردد في تحديد طبيعة اللقطة. كان يمكن، بكل سهولة، أن نكون أمام مشهد ابداعي من عروض «مسرح الشارع» التي ينظّمها «زيكو هاوس» القريب من هنا. إننا نعيش زمناً بات فيه الاحتجاج، وبدعم من بعض النخب الطليعيّة، عرضاً أدائياً من بطولة جمانة حداد وأخواتها. هناك شيء لا يمكن فهمه واستيعابه إلا من خلال إعادة قراءة حياتنا السياسيّة بصفتها خرافةً واستعراضاً. لقد خضع مفهوم «المجتمع المدني» لعمليّة انزياح، فصار عنواناً لخديعة كبرى هدفها احتواء قوى الاحتجاج الحقيقية، وإجهاض مشروع التغيير في مجتمعاتنا.
بعد ديوانها الشهير، والجميل، «عودة ليليت» (2007)، تماهت جمانة حداد مع بطلتها، المتمرّدة الأولى على الرجل في تاريخ البشريّة. وإذا بها تستحيل بسحر ساحر «أيقونة نسويّة» في الاعلام الغربي، ومثقفة تتعرّض للحصار والاضطهاد من قبل «القوى الظلاميّة» في لبنان، كما أكّدت صحف أوروبية مرموقة! هذه السرديّة تلقّفتها الثقافة المحليّة، الدونيّة والمولعة بالصرعات، فأعادت انتاجها وتكريسها من دون أي سؤال نقدي… ولِد لنا بين ليلة وضحاها بطلة تحررية، وتَدافع لتطويبها موكب من المستلبين والمقهورين. هذه «البلفة» اللبنانيّة الأصيلة، انتجت خطاباً إيكزوتيكياً يجمع بطريقة عشوائيّة، بين «النسويّة والمتعويّة والتمرّد، والتحرر من نير القمع والتقاليد». تلك الشعارات الجوفاء لا تستند إلى وعي سياسي وخطاب اجتماعي من شأنهما تحديد طبيعة الصراع مع السلطة الذكوريّة القامعة. لم ينتبه مشجّعو «ليليت» إلى الخيط الرفيع الفاصل بين «انتهاك المحرمات» و«تسطيحها»، بين التحرر الحقّ الذي يتطلّب الكثير من الوعي والنزاهة والجرأة، ويكلّف الكثير من التضحيات، وإيروسيّة استهلاكيّة كل ما تفعله أنّها تناغش السلطة الذكورية وتستثيرها. في الحقيقة، كل ما فعلته شاعرتنا من خلال كليشيهات التمرد، والشعارات السطحية، والنقد الاختزالي للواقع، والاستعلاء الاستشراقي على المحيط، أنّها أعادت انتاج الخطاب السائد الذي يمنحها شرعيّتها. لم تكن ظاهرة جمانة حدّاد يوماً إلا أحد أطراف المعادلة الذكوريّة (والاستعماريّة) المهيمنة.
«ليليت اللبنانيّة» نسخة عن «جان دارك قديسة المسالخ» بطلة برتولد بريخت التي تحاول أن تساعد الفقراء، لكن جميع انتصاراتها شكلية وزائفة، ولا تفعل عملياً سوى خدمة مصالح أرباب العمل. ومع ذلك، فإن ليليت شفيعة النسويّة، كانت لتبقى ظاهرة لطيفة، ننتقدها تارة، ونتضامن معها تارة أخرى، ضد الحملات المحافظة، أو البذاءة الذكوريّة. لولا أنّها قررت الخروج من الصالونات الأدبيّة لخوض المعترك السياسي تحت راية «التغيير». هنا تحوّلت المهزلة إلى مأساة، خصوصاً أن «الأونطة» انطلت للأسف على شريحة لا بأس بها مما يسمّى تجاوزاً «المجتمع المدني». صارت المرشّحة «التي ستواجه السلطة التقليديّة البالية» في مجلس النواب. وكل هؤلاء الشباب والصبايا في الصورة، يصدّقون ويهتفون ويصوّرون «فلاش موب» بهواتفهم الذكيّة. ترى لو كانت هناك هواتف ذكيّة موصولة بالسوشال ميديا أيام «معمل غندور» و«بنك أوف أميركا»... كيف كان ليكون العمل الثوري؟

هل ابتلعت الخديعة الكبرى آخر أحلامنا في التقدم والعدالة والحريّة؟


في الصورة شاعرة متمرّدة بالأبيض والأسود تسندها أيد صديقة. «الجسد» الطليق يبدو منتصراً. إمرأة باسمة، منتشية، في ذروة سعادتها. تكاد لا تصدّق الحفاوة «الشعبيّة» التي تحيط بها. تسأل نفسها إن كانت تحلم. كل ما في الصورة يوحي بأننا أمام مسرحيّة تاريخيّة. جومانا حدّاد تحلّق كـ«طائر النورس» في سماء بيروت، فوق الحركة المطلبيّة. نكاد نسمع الهتافات تنبعث من الصورة. ثم تطغى موسيقى تشايكوفسكي. جمانة تفتح ذراعيها لتعانق الهواء، كما في باليه «بحيرة البجع». إنّها الجميلة التي حوّلها الساحر الشرير نهاد المشنوق إلى بجعة، فامتلأ الشارع بدموع «المجتمع المدني» واستحال بحيرة... في انتظار أن يأتي الفارس الشهم فيحررها من التعويذة الشريرة ويعيدها إلى البرلمان.
إنّها تظاهرة احتجاج، واحتفال بـ«النصر» في آن معاً. الإحتجاج على «مؤامرة» خفيّة غدرت بجمانة حدّاد، وهي على باب البرلمان، لتدس مرشّحاً آخر في مكانها! هكذا زحفت صاحبة الـ435 صوتاً وجمهورها الحالم بـ«التغيير»، للاحتجاج أمام وزارة الداخليّة. «باسيوناريا» الصنائع تصرخ: «لن يمرّوا!»، فتشعر بنشوة النصر. لحظة المجد الوحيدة المتاحة لـ«ليليت» قبل طردها من جنّة السلطة. لقد اقتربت المكسيموم من حلمها بأن تكون «نائبة الأمّة». بعد قليل تنتهي الحفلة، ليبقى في صورة مروان طحطح سؤال معلّق: هل ابتلعت الخديعة الكبرى آخر أحلامنا في التقدم والعدالة والحريّة؟