لا شك في أن المعركة الانتخابية الأسوأ للتيار الوطني الحر خاضها في بعبدا في شكل يوحي أن القيادة العونية تعمدّت إضعاف مرشحيها. وإلا ما الذي يفسر التشبث بمرشّحَين ثبت في الاستطلاعات عدم قدرتهما على تأمين صوت واحد من خارج أصوات التيار على رغم ولايتهما التي قاربت عشر سنوات؛ في حين أخذ هذا التفصيل بالاعتبار في بقية الدوائر. السقطة الأولى هنا كانت في رفض مواكبة نبض الرأي العام الباحث عن وجه جديد متحمس للعمل، والسقطة الثانية كانت في إضعاف المرشح القوي على حساب زميليه الآخرين. هكذا، بدل تأمين كل ما يلزم للنائب آلان عون من أجل تحقيق فوز ساحق و«فَلح» الأرض البعبداوية، شغل التيار عون والنائبين الآخرين حكمت ديب وناجي غاريوس ببعضهم البعض. لم تعد المعركة تيار ــــ قوات بل تحولت منذ الأشهر الأولى إلى تيار ــــ تيار، أو إلى عون vs غاريوس وديب حيث استغلت قوة عون لسحب الأصوات منه. تم ذلك بناء على جهل بعض الناخبين بأسس القانون النسبي وطريقة احتساب الربح، فجرى إقناعهم أنه يمكن للثلاثة الفوز معاً. وبدا لافتاً إصرار النائبين على الاكتفاء بملعب التيار من دون أي رغبة في توسيع رقعة العمل حتى في أشهر الانتخابات الأخيرة. فكان أن أصاب التيار نفسه عبر إضعاف أحد أذرعته القوية أي آلان عون، وانتهى الأمر بتقاسم الأصوات عينها بين عون وديب وغاريوس. يصعب هنا التصديق أن ماكينة التيار لم تتنبه للأمر، ففي مختلف الدوائر عمد رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إلى ترشيح حزبيين على عدد المقاعد المضمونة واستعان بمستقلين يشكلون إضافة لرفع حاصل اللائحة من جهة وحماية مرشحيه الحزبيين من جهة أخرى. لكنه في بعبدا، آثر الإبقاء على النواب الثلاثة على رغم معرفته أن حجم الربح لن يتعدى اثنين من ثلاثة في أحسن الأحوال وأن اللائحة ستخسر الكثير من المؤيدين في حال الإبقاء على الوجوه نفسها. وفي قراءة أولية للنتائج، بدا جلياً أن عون (10200 صوت) شكّل رافعة لزميله حكمت ديب (4428 صوتاً) الذي كان على وشك خسارة مقعده لمصلحة مقعد ثانٍ للائحة القوات ــــ الاشتراكي. فـ1800 صوت إضافي كانت كافية لفوز القوات بمقعد ثانٍ. ولو تحالف القوات والكتائب في لائحة واحدة أو أن المرشح المستقل ايلي غاريوس (1912 صوتاً) انضم إلى بو عاصي كما تم التداول به سابقاً لاقتصر ربح التيار على واحد. وتجدر الإشارة إلى أن وجود مرشح آخر من عائلة غاريوس هو شقيق رئيس بلدية الشياح إدمون غاريوس، أثر سلباً في النائب السابق ناجي غاريوس (2916 صوتاً) حيث قاسمه أصوات بلدته، فيما تمكن ديب من نيل أصوات بلدته كاملة.


هدية القوات المجانية
تصويب بوصلة المعركة العونية باتجاه البيت الداخلي أراح حزب القوات، فانطلق الحزبيون إلى العمل لمصلحة المرشح بيار بو عاصي كفريق واحد، من دون «زكزكات» وأفخاخ داخلية. الأمر الذي ساهم في تأمينه ربحاً صافياً لنفسه بدليل أنه نال 13498 صوتاً فيما مجموع المرشحين المارونيين الآخرين على لائحته اقتصر على 314 صوتاً. ولا شك في أن دخول القوات إلى بعبدا بنتيجة مماثلة (نال مرشحها المرتبة الثانية بعد النائب علي عمار) يحسب إنجازاً لها. إشارة هنا إلى أن الحديث المستمر عن عجز الكتائب عن تأمين الحاصل الانتخابي أفاد القوات كثيراً إذ صبت غالبية الأصوات المستقلة المؤيدة لـ14 آذار لمصلحة بو عاصي.

شكل التيار لائحة من ثلاثة مرشحين حزبيين على رغم معرفته أن حجم الربح يقتصر على اثنين

فيما استبعدت اللائحة الكتائبية التي ضمت مستقلين من المجموعات المدنية لنيلها 5763 صوتاً فقط، كذلك الأمر بالنسبة للائحة المجتمع المدني «كلنا وطني» التي استقطبت 4902 صوت، وهو ما يعتبر رقماً جيداً. ويشير المستطلعون إلى أن عدداً كبيراً من المستقلين الأقرب إلى خط التيار صوتوا لـ«كلنا وطني» كبديل عن اللائحة العونية التي عجزت عن التغيير واستبدال وجوهها. فيما لم يكترث عدد آخر ممن صوتوا للتيار في السابق باعادة التصويت له مرة أخرى للأسباب عينها، ففضلوا عدم الاقتراع. أما العونيون الذين اقترعوا، فتشير الأرقام إلى نيل النائب آلان عون من 55 الى 80 في المئة من أصواتهم في مختلف بلدات المتن الجنوبي، فحصل على 10200 صوت أي ما يقارب الحاصل الانتخابي بمفرده. والخلاصة، قدم التيار هدية مجانية إلى القوات في أحد أهم معاقله.
في مقابل الصراع «المسيحي ــــ المسيحي»، حسمٌ كامل لكل من حزب الله وحركة أمل. فقد حلّ مرشح الحزب النائب علي عمار أول في كل الدائرة بـ13692 صوتاً؛ وكان لافتاً نيله نحو 1000 صوت مسيحي و200 صوت درزي. فيما نال مرشح الحركة فادي علامة 6348 صوتاً فحلّ في المرتبة الخامسة بين المرشحين. إلا أن الثنائي حصد أكثر من 90 في المئة من أصوات الشيعة في هذه الدائرة، بينما لم يتمكن بقية المرشحين الشيعة مجتمعين من الوصول إلى ألف صوت شيعي. أما درزياً، فانخفض التصويت إلى نحو 13 ألفاً بخلاف توقعات الماكينة الاشتراكية بالوصول إلى 15 ألفاً. فجيرت غالبيتها لمصلحة المرشح الجنبلاطي هادي أبو الحسن (11844 صوتاً).