كان لافتاً في الانتخابات النيابية الأخيرة، عدد اللوائح التي تشكّلت في بيروت الثانية (أعلى رقم في كل الدوائر). قيلَ حينها، على لسان وزير الداخلية نهاد المشنوق إنه «أمرٌ جيد ويعكس التنوع في هذه البيئة»، غيرَ أن نتائج صناديق حمَلت مفاجآت لم تكُن في الحسبان. الحواصل التي حازتها اللوائح الخاسرة، والأصوات التفضيلية التي نالها المرشحون أتت صادمة. أمرٌ فتح الباب على ألف سؤال. هل فعلاً هذه هي أحجام القوى المرشحة من خارج السلطة؟ هل حصلت عملية تزوير هدفت إلى تحجيمها؟ كيف يُمكن لأكثر من لائحة أكدت قربها من تأمين الحاصل قبلَ أيام من عملية الاقتراع، أن لا تحصد أكثر من بضع مئات من الأصوات؟

الأكيد أن اللوائح المعارضة للسلطة في بيروت (باستثناء لائحة صوت الناس) والتي عجزت عن توحيد صفوفها انتخابياً، قررت التوحد لتقديم ملف مشترك للطعن بالنتائج. مرشحون من مختلف اللوائح الخاسرة يعملون معاً لتسجيل كل المُخالفات وتوثيقها.
يقول معنيون بالمجريات الانتخابية لهذه الدائرة إن تفرّق المعارضة في بيروت خدم لوائح السلطة، وتحديداً لائحة الرئيس سعد الحريري. فلو اجتمعت المعارضات في بيروت في لائحة واحدة، ربما استطاعت تأمين أكثر من حاصل انتخابي. يُمكن جمع الحواصل التي نالتها للتأكد من هذا الأمر. لكن تشتّت الحالة الاعتراضية أدى إلى تشتيت الأصوات، وجعل فرصة الحصول على مقعد نيابي أمراً غير وارد. ناهيك عن أن هذه اللوائح استخدمت في غالبيتها الشعارات ذاتها التي استخدمها الحريريون سابقاً. في بيروت، يقول البعض «سقطت كل الأيديولوجيات أمام الأيديولوجية الدينية». فالطرفان اللذان أثبتا قوتهما في العاصمة هما حزب الله وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش).
حتى «لائحة صوت الناس» (تحالف حركة الشعب والمرابطون وبدنا نحاسب) بما تمثلّ لم تتمكن من اختراق الناخب البيروتي ببرنامجها السياسي والخدماتي. الحافز الانتخابي الأول هو المال. حصلت حفلة نفاق وتكاذب بين الناس والمرشحين. كل الحماسة التي أبدتها فئات بيروتية مع مختلف القوى التي تحركت في بيروت لم تكُن تعبر عن حقيقة موقف هذه الشرائح. كان الناخب يعرف خياره وقراره منذ البداية. المرشحون هم من خُدعوا، لذا أربكتهم الأرقام التي حصلوا عليها.

أدى تشتّت الحالة الاعتراضية إلى تشتّت الأصوات


الآن وقد وقعت الواقعة، لا مفر من الطعون. هذا ما كشف عنه عدد من المرشحين الخاسرين في لوائح مختلفة. هؤلاء الذين رفضوا الانضواء تحت راية اعتراضية واحدة وحّدتهم المصيبة اليوم. أكثر من ستين مرشّحاً ومرشحة من «كلنا بيروت»، مروراً بلائحة «صوت الناس»، وصولاً إلى لائحة «المعارضة البيروتية» و»كلنا بيروت». يتفق هؤلاء على حصول تزوير ومخالفات. غير الرشى الانتخابية، يتحدثون عن فيديوات وصور تؤّكد التلاعب بصناديق لم تختم بالشمع الأحمر، كما ينصّ القانون. ناهيك عن فضيحة كبرى تتعلق بمشكلة احتساب وفروقات بين محاضر المندوبين ورؤساء الأقلام. فإحدى المرشحات لم تنل أيّ صوت في القلم الذي صوّتت فيه. مرشّح آخر حصل على أكثر من 80 صوتاً في قلم واحد، وفي احتساب النتيجة النهائية لكل الأقلام ظهر بأنه لم يحصل على أكثر من 40. وفي مثال آخر، يقول المرشح زياد عيتاني إنه حاز صوتاً واحداً في القلم، حيث تصوّت عائلته. «فهل يُعقل أن يكونوا قد صوّتوا لصالح مرشحين آخرين، هل من يصدق هذه النتائج؟». أما المرشحة حنان الشعار، فتقول إنها بحثت عن صوتها في القلم الذي صوّتت فيه فلم تجده، عدا عن أفراد عائلتها الذين صوّتوا لها وتبخرت أوراقهم في الصندوق.
مندوبون في ماكينة لائحة «كلنا بيروت»، يقولون إنهم طردوا من بعض الأقلام. إما بحجة أن المندوب يجب أن يكون مندوب مرشّح لا مندوب لائحة، وإما بحجة ضيق المكان حيث الأقلام لا تتسع إلا لشخص واحد! وقد تكرر هذا الأمر مع عدد من اللوائح، حيث بقيت بعض الأقلام أكثر من ثلاث ساعات من دون مندوبين. واعتبر هؤلاء هذه الخطوة «مقصودة لأنه من المعروف أننا نحن وغيرنا لم نكن قادرين على تأمين مندوبين لكل مرشح، بل بالكاد استطعنا توزيع مندوبي اللوائح على مراكز الاقتراع».
حقيقة ما جرى في بيروت يعتبرها المرشحون جولة خاسرة. لكنها لن تثنيهم عن الاستمرار في حركتهم. يعلق مرشح حركة الشعب عن المقعد الأرثوذكسي في بيروت الثانية عمر واكيم على ما حصل بالقول إن «النتائج مركبة». لم تكن حركة الشعب تتوقع تأمينها لا حاصلين ولا ثلاثة، ولا حتّى حاصلاً واحداً، علماً بأن الأرقام والمعطيات التي سبقت يوم الاقتراع كانت مختلفة، وقيل في تصريحات صحافية إن حركة الشعب اقتربت من الحاصل الانتخابي. إلا أن تسجيل الطعن «حق» بحسب عمر واكيم، الذي أكد أننا «نقود معركة سياسية في العاصمة ومستمرون وماضون بها قبل الانتخابات وبعدها».
ويؤكّد مقربون من الوزير السابق أشرف ريفي أنهم لن يتراجعوا عن مشروعهم في العاصمة. لكن ريفي فشل في طرابلس، أي البيئة التي أنتجت ظاهرته في الانتخابات البلدية الأخيرة. فأي أمل له بعد ذلك في بيروت؟ يعلّل هؤلاء إجابتهم «المشروع السياسي لا يموت بموت الأشخاص، فكيف إذاً حين يبقون على قيد الحياة، فهل باستطاعة الآخرين إلغاؤهم؟».