«قام» الأطباء ولم يقعدوا، أمس، على خلفية توقيف الطبيب الشرعي أ. م. احتياطياً لدى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان، بتهمة «إعداد تقرير طبي كاذب». بدعوة من النقيب ريمون الصايغ، توقّف أطباء لبنان عن العمل لساعة احتجاجاً على «توقيف أحد الزملاء الأطباء» و«استجوابه من دون إبلاغ نقابة الأطباء مسبقًا». تزامن ذلك مع تحديد قاضي التحقيق الأول جلسة للبت في الدفوع الشكلية التي تقدّم بها محامي الموقوف، وانتهت بقرار بإخلائه احتياطياً بكفالة 5 ملايين ليرة، على أن يجري البت بالدفوع في جلسة الخميس المقبل. غير أن القرار لم يُنفّذ، بعدما استأنفت النيابة العامة القرار. وعليه، لا يزال الطبيب قيد التوقيف الاحتياطي، رغم إسقاط المدعي لحقه الشخصي.

هذا جزء من القضية. أما الجزء الأهم الذي لم يسترع انتباه نقابة الأطباء، فهو مضمون التقرير «الشرعي» الذي حرّره الطبيب لأحد الموقوفين. ففي 13 آذار الماضي، كلّفت النيابة العامة الإستئنافية الطبيب الكشف على موقوف (متهم بالاحتيال) تبيّن، بحسب التقرير الذي حرّره الطبيب، أنه «تعرّض لأزمة حادة في شرايين الدماغ الأمر الذي أدى إلى تخفيف التروية الذي أدى بدوره إلى ضعف في الطرف الأعلى الأيمن والطرف الأسفل الأيمن مع فقدان الإحساس والنطق». ولذلك، «ما يزال بحاجة إلى البقاء لمدة أسبوع مبدئياً في المستشفى وتقييم وضعه الصحي».
لم يرض التقرير الجهة المدّعية فطعنت فيه أمام القضاء الذي كلّف طبيباً شرعياً آخر، جزم بأن «الموقوف لم يتعرض لتجلّط في الدماغ وهو بحالة صحية طبيعية». ولدى اللجوء إلى رأي ثالث، جاءت النتيجة مخالفة أيضاً لتقرير الطبيب الموقوف. صار هناك «تقرير كاذب مقارنة بالتقريرين اللاحقين»، يقول محامي المدّعي ماجد بويز.

صارت قضية كشف كذب التقرير من عدمه مجرّد تفصيل صغير


بعد الشكّ في تقرير الموقوف الملقّب بـ«طبيب الفقراء»، (وهو ما أعاد التذكير به أمس النقيب الصايغ)، استدعي مع الطبيبين الآخرين للإستجواب، وراسلت النيابة العامة نقابة الأطباء لإبداء الرأي، في مهلة 15 يوماً، انتهت «بحسب القانون في السادس من الجاري بتوقيف الطبيب احتياطياً»، بحسب بويز.
عائلة الموقوف تستحضر تاريخ الثلاثين عاماً لطبيب الفقراء «والذي يشهد له بالنزاهة من ساحل المتن إلى جونيه إلى البقاع إلى الجنوب...»، يقول شقيقه طبيب العيون. أما نقابة الأطباء، فأخشى ما تخشاه على ما يبدو حصانة أطبائها. وما فعلته أمس كان اعتراضاً على تجاوز القضاء لنص المادة 44 من القانون 313 التي تتناول الحصانة المهنية، وتنص أنه «عند ملاحقة الطبيب جزائياً، للنقابة أن تبدي رأيها العلمي خلال خمسة عشر يوماً حول ما إذا كان الجرم المدعى به ناشئاً عن ممارسة المهنة. وفي هذه الحالة يجري إستجواب الطبيب الملاحق بحضور نقيب الأطباء أو من ينتدبه لهذه الغاية». كما «لا يجوز التوقيف الإحتياطي للطبيب الملاحق بجرم ناشىء عن ممارسة المهنة قبل أن تبدي النقابة رأيها ضمن المهلة المذكورة أعلاه». استناداً إلى نص هذه المادة، انتفض الأطباء على خرق القضاء للحصانة المهنية. وأشار النقيب الصايغ في المؤتمر التضامني، إلى تجاهل القضاء «أحكام المادة 44، حيث جرى التوقيف قبل انقضاء مدة الخمسة عشر يوماً، خلافاً للقانون ومن دون تزويد النقابة بالملف الطبي المطلوب لإبداء الرأي العلمي في شأنه». وهو ما استدعى ردّاً من وزير العدل سليم جريصاتي الذي لفت إلى تقيّد القضاء «بأحكام المادة 44 وأنه جرت ملاحقة الطبيب بجرم إعداد تقرير كاذب سنداً للمادة 466 عقوبات، وبناء على شكوى من المتضرّر». ولفت جريصاتي إلى أن «قرار توقيف الطبيب لم يأت من فراغ، بل نتيجة تحقيقات وخبرة فنية ادت الى تكوين اقتناع لدى النيابة العامة المعنية بتوافر ادلة على ارتكابه الجرم المسند اليه».
بغض النظر عن الرد والردّ المضاد بشأن المادة 44، صارت قضية كشف كذب التقرير من عدمه مجرّد تفصيل صغير، علماً أنها القضية الأساس في ظل «تقارير طب شرعي تحرّر بالمئات مقابل حفنة من الليرات»، بحسب أحد الأطباء. هكذا، انتقل النقاش من مكانٍ إلى آخر. أما الإجابة عن سؤال عما إذا كان «أبو الفقراء» قد زور التقرير؟ أم لا؟ قد خان «شرفه» المهني أم لا؟ فلا أحد يجيب عنه. لا يهم. ما كان مهماً أمس هو «شرف» المادة 44.