رحّلت الحكومة الى جلستها، الاثنين المقبل، بنداً كان مطروحاً على جدول أعمال جلسة الأربعاء الماضي، لتأمين تمويل إضافي لسد القيسماني بقيمة نحو 1,5 مليون دولار. المعطيات تفيد بأن المبلغ المطلوب هو لمعالجة مشكلة تسرّب المياه المجمّعة خلف السد، فيما يشكّك خبراء في جدوى هذا المشروع، أساساً، بسبب عوامل التبخّر ولعدم وجود مصادر مائية لتغذيته غير الثلوج، وأخيراً بسبب التسرّب الذي يجعلنا نبدو كمن «يعبّي الميّ بالسلة»!

في جلسته، الأربعاء الماضي، كان على جدول اعمال مجلس الوزراء طلب مجلس الانماء والاعمار تأمين تمويل بقيمة 1,437,517,27 دولار لتغطية كلفة أشغال اضافية في مشروع إنشاء سد القيسماني.
مصادر في وزارة الطاقة أكّدت لـ«الأخبار» ان المبلغ المطلوب هو لسد ثغرات في السد بعدما تبيّن فشله في جمع المياه، ولمعالجة مشاكل التسرب بسبب وجود بواليع تحت بحيرة السد. وأوضحت أن هذه المرة الثانية التي تجري فيها أعمال إضافية لوقف التسرّب. في المقابل، رجّحت مصادر في مجلس الانماء والاعمار أن يكون المبلغ مخصصاً لاستملاكات وتمديدات لوصل بحيرة السد بالشبكة الرئيسية. الا انها لم تنفِ وجود أكلاف اضافية لاعادة تأهيل السد ولمنع التسرب.

تضارب في السّعة
السدّ الذي أنشئ على أطراف بلدة فالوغا بكلفة 21 مليون دولار، كان مقرراً ان يتسع لمليون متر مكعب من المياه، بعد تجميع مياه الأمطار ومجاري المياه الشتوية لدى ذوبان الثلوج، إضافة إلى مياه عدد من الينابيع الصغيرة في المنطقة المحيطة. كما كان مقرراً أن يؤمن المياه لنحو 50 ألف شخص في نحو 30 بلدة عبر محطة تكرير بقدرة 12 ألف متر مكعب في اليوم.

لا يوجد مصدر مائي مهم لتعبئة بركة القيسماني الا بعض المياه الناجمة عن ذوبان الثلوج


مصادر وزارة الطاقة ومجلس الانماء والاعمار تقدّر المياه المجمّعة في بحيرة السدّ حالياً بنحو 550 ألف متر مكعب، فيما يؤكّد خبراء محايدون أن الرقم لا يتجاوز الـ200 ألف متر مكعب لأن المياه تتسرّب من أرضية البحيرة، إضافة الى عامل التبخر (48% في فصل الحرارة والشحائح وزيادة الطلب). لذلك، في رأي هؤلاء، من شبه المستحيل ان يتمكّن السد من تجميع مليون متر مكعب. والأمر سيزداد سوءاً مع التأكيدات العلمية بتغير المناخ العالمي وارتفاع حرارة الارض اكثر من درجتين مئويتين، مما يزيد من حجم التبخر.
الخبير الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي يشكّك في رقم الـ 550 الف متر مكعب متسائلاً: «من قام بالكيل؟». وأكّد أن نسبة التبخر في مثل هذا الوقت من العام تقارب 47% ستؤدي مع التسرب الى تقليص الكمية تباعا الى أن تجفّ، لافتاً إلى انه «لا يوجد مصدر مائي مهم لتعبئة بركة القيسماني الا بعض المياه الناجمة عن ذوبان الثلوج، وهذا لا يمكن الإعتماد عليه». كما أن «الشرط الأساس لنجاح هكذا مشاريع إنشائية ضخمة وهو وجود قاعدة صخرية مانعة طبيعياً لتسرب المياه المراد تخزينها». وأكّد أن السدود «سياسة مائية قديمة ومكلفة جدا، عفا عليها الزمن. كانت ولا تزال وسيلة للإستعراض والتفاخر الباطوني بين الزعماء والدول». وقد إستعاضت عنها أوروبا في الثمانينيات بدراسات سمحت بالاستثمار في المياه الجوفية.
ولفت زعاطيطي إلى أن بلداناً أوروبية عدة تعتمد كليا على مياه المخازن الصخرية، خصوصاً الكربوناتية القاسية والمشققة والذائبة بمياه الأمطار والتي تسمّى «مخازن كارستية»، مشيراً الى ان هذا النوع من المخازن «يشكّل نحو 70% من مساحة لبنان ويستقبل كميات كبيرة من الأمطار والثلوج. ويختزن ثروتنا المائية الحقيقية المقدرة بنحو 3 مليارات متر مكعب من المياه الجوفية العذبة والمتجددة سنوياً».

المتر المكعب بـ50 دولاراً!
يبلغ متوسط التقديرات لكلفة السد بعد انتهاء العمل فيه بأكثر 30 مليون دولار، ومتوسط قدرته على الاستيعاب بـ500 الف متر مكعب، ما يعني أن كلفة تخزين المتر المكعب الواحد تراوح بين 40 و50 دولاراً. ومع احتساب استمرار الانفاق على سد التسربات والصيانة والتشغيل وكلفة انشاء محطة التكرير وتشغيلها وصيانتها والاستملاكات ودفع الفوائد على قرض الانشاء... سنكون أمام كلفة خيالية بكل المعايير، من دون محاسبة أو من يحاسبون. سد بريصا الذي فشل كليا في جمع المياه ولم يحاسب احد، وسد شبروح الذي تضاعفت كلفته الى نحو مئة مليون دولار (بدل 40 مليوناً كما أُعلن يوم تدشينه) ولا يزال يتسرب منه نحو 200 ليتر بالثانية الواحدة، وغيرهما من مشاريع السدود السطحية، هي مشاريع لا تجمع أكثر من الديون... اكثر منها مشاريع حقيقية لايصال المياه الى الناس. ولو كانت هناك نية حقيقية لذلك، لما تركت شركات كبرى كـ«نسله» تضع يدها على مياه الينابيع والابار الجوفية في فالوغا (بالقرب من مشروع السد) لتبيع المياه المعبأة في كل العالم، فيما تدفع الدولة تكاليف خيالية على انشاء سدود مخربة للنظم الايكولوجية لتروي الناس بمياه معالجة في محطات تكرير!



تعطيل شاغور حمانا
يلفت الناشط البيئي رجا نجيم الى إنشاء سد القيسماني فوق المخزن الجوفي لنبع الشاغور أدى الى تلوث مياه هذا النبع، وقد رصدت وزارة الشؤون الاجتماعية ٣٠٠ الف دولار لتركيب خزان ضخم في بلدة حمانا لجمع مياه نبع الشاغور فيه ثم تكريرها قبل استعمالها!