أنهت وزارة المال عملية استبدال سندات خزينة بالليرة اللبنانية يحملها مصرف لبنان بسندات خزينة بالدولار (Eurobonds) أصدرتها خلال الأيام الماضية بقيمة أصول 5.5 مليارات دولار. هذه العملية تؤمن للخزينة كل حاجاتها المالية لخدمة الدين بالعملات الأجنبية خلال السنة الجارية (تبلغ قيمتها 4.3 مليارات دولار)، إلا أنها تنطوي على مخاطر نظراً لكونها عمليات غير تقليدية يتوسّع مصرف لبنان في تنفيذها وهي تنطوي على أهداف نقدية ولها أثر واضح على الدين العام بالعملات الأجنبية، ومن نتائجها أنها تصبح مرتبطة جزئياً بالأسواق الدولية.

جرت العملية على مرحلتين: في الأولى، أصدرت وزارة المال سندات يوروبوندز بقيمة 5.5 مليارات دولار موزّعة على أربع شرائح اشتراها كلها مصرف لبنان وسدّد ثمنها من خلال إطفاء سندات خزينة بالليرة اللبنانية بقيمة مماثلة، أي 8250 مليار ليرة.
وهذه الشرائح جاءت على النحو الآتي:
شريحة بقيمة مليار دولار تستحق في آذار 2028 ويبلغ العائد السنوي عليها 8%.
شريحة بقيمة 1.5 مليار دولار تستحق في تشرين الثاني 2031 ويبلغ العائد السنوي عليها 8.10%.
شريحة بقيمة 1.5 مليار دولار تستحق في أيار 2033 بعائد سنوي يبلغ 8.20%.
شريحة بقيمة 1.5 مليار دولار تستحق في أيار 2034 بعائد 8.25%.
في المرحلة الثانية من العملية، يقوم مصرف لبنان بالاكتتاب بسندات خزينة بالليرة اللبنانية تصدرها وزارة المال وقيمتها الإجمالية تبلغ 8250 مليار ليرة بفائدة 1% وبآجال تستحق بعد 3 سنوات و10 سنوات.

توفير 1.4 مليار دولار
بحسب بيان وزارة المال، تُسهم هذه العملية في أمرين: الأول، يتعلق بتعزيز احتياطات مصرف لبنان بالدولار، إذ سيكون متاحاً لمصرف لبنان أن يبيع سندات اليوروبوندز الناتجة من عملية الإصدار والحصول على عملات أجنبية تضاف فوق احتياطاته بالعملات الأجنبية التي يستعملها لتثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار. ومصرف لبنان كان قد أعلن في وقت سابق أنه ينوي بيع سندات يوروبوندز بقيمة ملياري دولار خلال السنة الجارية، أي إنه أعطى علماً للأسواق بذلك حتى لا تؤدي هذه العملية إلى تذبذب في الأسعار ومفاجآت ليست على قدر توقعات المستثمرين أو المتاجرين بالسندات.
والأمر الثاني، أن هذه العملية ستوفّر على الخزينة ما قيمته 1.4 مليار دولار كانت مضطرة إلى أن تدفعها على مدى السنوات المقبلة لخدمة الدين.

مخاطر غير صحية
إذاً، هذه العملية ليست مالية، بل تنطوي على أهداف نقدية واضحة، وهو مؤشّر غير «صحي»، إذ إنه يعني أن مصرف لبنان يتوسّع في تنفيذ عمليات مالية غير تقليدية للحصول على الدولارات اللازمة له من السوق خلافاً لما كان صندوق النقد الدولي قد حذّر منه في التقرير الأخير الصادر عن خبرائه إثر زيارتهم لبنان في إطار البعثة الرابعة. كذلك، تعني هذه العملية غير التقليدية أن قدرة مصرف لبنان والأدوات التقليدية التي كان يستعملها لاستقطاب الدولارات، لم تعد قادرة أو كافية لتأمين الحاجات المالية، وقد لا تصبّ في تحقيق الأهداف النقدية التي يرسمها. اللجوء إلى عمليات بهذا الحجم، قد يكون له تأثير إيجابي على المدى القصير، إلا أنه على المدى الطويل قد يتحوّل إلى أمر ضاغط مع ارتفاع خدمة الدين بالدولار. فهذه العملية ستزيد نسبة الدين بالدولار من 39% حالياً، إلى 46% بقفزة واحدة. وإذا استمرّ جدول الاستدانة المرسوم لهذا العام في ما خصّ سندات الليرة اللبنانية، فستنخفض نسبة الدين بالدولار إلى 43%. وفي كل الأحوال، إن مجمل الدين بالدولار يكون قد بلغ 33.2 مليار دولار في نهاية هذه السنة. كلفة هذا الدين وخدمته باهظتا الثمن على مدى السنوات المقبلة وتتطلبان المزيد من الدولارات التي يحصل عليها مصرف لبنان اليوم بصعوبة.

المستثمرون وتجار السندات الدوليون يتخلّون عن السندات اللبنانية، لأن السندات الأميركية باتت أكثر جدوى


وثمة مفارقة أن اللجوء إلى استبدال الدين بالليرة بدين بالدولار، يجري من دون أن يكون له أصول مالية فعلية. وهذا الاستبدال الدفتري يأتي أيضاً في ظل تدني أسعار سندات اليوروبوندز المدرجة في الاسواق الدولية، أي إن تسييل أو بيع هذه السندات يواجه مشاكل ويدفع الأسعار إلى الانخفاض كل بضعة أيام إلى مستويات قياسية لم تشهدها السوق من قبل. أمس بالتحديد، انخفضت الأسعار، وقبل يومين أيضاً وقبل أسبوع… هذا المنحى سببه أن المستثمرين وتجار السندات الدوليين يتخلّون عن السندات اللبنانية، لأن السندات الأميركية باتت أكثر جدوى، ورغبتهم هذه مدفوعة بأوضاع إقليمية عسكرية خطيرة، ولا سيما بعد انسحاب أميركا من الاتفاق النووي مع إيران. لا يقتصر الأمر على ذلك، فمن المعروف أن السندات اللبنانية كانت مرغوبة في السابق نظراً إلى العائد الكبير عليها، لكن سهولة تسييلها في السابق كانت تشكّل ميزة لدى التجار والمستثمرين، فهم كانوا يعلمون أن المصارف اللبنانية كانت تنتظر لحظات انخفاض الأسعار والضغوط الأمنية والعسكرية باعتبارها فرصة لشراء السندات. كانت المصارف تبني هذا القرار على أساس أن لديها سيولة كبيرة توفّر لها مرونة التحرك الاستثماري، وأن لديها قدرة على فهم التطورات في المنطقة بنحو أعمق وأسهل من المستثمرين الأجانب «الجبناء». لكن المشكلة أن الواقع يختلف اليوم، فالمصارف تعاني من شحّ السيولة بسبب استقطابها من مصرف لبنان لتعزيز احتياطاته بالعملات الأجنبية، كذلك فإن التطورات الإقليمية والدولية معقدة وصعبة ولا يمكن التنبؤ بها.
بالإضافة إلى ذلك، إن قيام مصرف لبنان بالاحتفاظ بسندات في محفظته بقيمة كبيرة، يخلق عامل تردّد لدى المستثمرين الأجانب وتجار السندات السيادية، ما يعني أن كل خطوة يقوم بها مصرف لبنان وكل مؤشر يصدر عنه أو يطمره، سيكون تحت رقابة المستثمرين في السوق الدولية.



سلامة: لا قابلية على اليوروبوندز
في اللقاء الشهري الأخير بين حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف، عمد رياض سلامة إلى تبرير التدنّي في أسعار سندات اليوروبوندز المتداولة في الأسواق الدولية، فهو أشار إلى أكثر من عامل يساعد على حصول تقلبات في الأسعار، أبرزها انسحاب صناديق الاستثمار للدول الناشئة نحو الأسواق الأقل مخاطر، وارتفاع المردود على السندات الأميركية من فئة 10 سنوات إلى 3%، والتطورات في المنطقة التي أثّرت في «القابلية لاقتناء سندات اليوروبوندز».