يحرص سعد الحريري على تذكير مجالسيه بأن سعد الذي يعرفونه قد تغيّر. هذا الكلام لم يقله بعد الانتخابات فقط. بل قاله مراراً وتكراراً منذ أزمة اعتقاله في السعودية الخريف الماضي. وصار واضحاً لغالبية من يعرفونه ويتصلون به أنه بات شخصاً آخر.

التغيّر عند الحريري لا يمكن توقعه على شكل انقلاب في السلوك والخيارات وآليات العمل. هو نوع من التغير البطيء، الذي يتحول تدريجياً الى خطوات. وما اكتشفه الحريري نفسه من قدرات لديه، خلال أزمة الاعتقال، لم يظهر أمام كل من حوله، ما جعل بعض قراراته الأخيرة مفاجئاً أو حتى صادماً لكثيرين، من كيفية اختيار المرشحين على لوائحه الانتخابية، الى كيفية حصوله على تمويل حملته الانتخابية، الى قراراته التنظيمية المستمرة منذ انتهاء الانتخابات، الى علاقاته السياسية في البلاد والخارج.
قد يكون الحريري الوحيد الذي يقلب على بطنه وظهره مرات عدة، بخلاف غالبية نظرائه من شخصيات أو جهات أو قوى. وقد يكون الوحيد من بين الجميع من يصعب حسم تموضعه الكامل في المرحلة المقبلة، لأن تحالفاته الانتخابية لا يبدو أنها مستمرة على شكل تحالفات سياسية. من كان خصماً تحول حليفاً وبالعكس، كما هي الحال مع المقرّبين الذين صار بعضهم في دائرة الأبعدين. لكن الثابت الوحيد، الذي يجب على الجميع الأخذ به، أن الحريري هو المرشح الطبيعي الوحيد لتولي منصب رئيس الحكومة المقبلة، ربطاً بما يمثله اليوم، أولاً على الصعيد الشعبي المحلي، وثانياً على صعيد موقعه في المنطقة، وثالثاً على صعيد حسابات العواصم الكبرى. وكل محاولة تذاك للمناورة، من قبل أي قوة سياسية محلية أو جهة خارجية، ليس لها نتيجة سوى تأخير تأليف الحكومة. وارتداداتها السلبية ستكون حصراً على خصومه.
لكن كيف سيتصرف الرجل؟
مع إعلان نتائج الانتخابات، تغيرت ملامحه، وفترة السماح التي انتزعها لنفسه، خلال فترة الإعداد للانتخابات، انتهت بصورة كاملة ليل السادس من أيار. أول اتصالات التهنئة التي وردته من الخارج، ذكّرته بأنه بات يقف أمام تعهدات والتزامات يجب الوفاء بها، وتتعلق بأمور كثيرة، من بينها تغيير طاقمه القيادي، وإعادة الحرارة الى علاقات سياسية سابقة، وفتح صنبور المياه الباردة على مسارات سياسية أخرى، وأن الوقت الذي يتطلبه هذا التغيير ليس طويلاً جداً. وهو ما فهمه الحريري نفسه، مبادراً الى سلسلة من الخطوات التي ستظهر على صورتها النهائية بعد أشهر وليس بعد أسابيع، وستكون لها انعكاساتها على صورة كتلته النيابية التي قد تفقد شخصيات بارزة، وعلى صورة قيادة تيار «المستقبل» التي ستكون أكثر تواضعاً وأقل تطلباً على الصعد كافة، كما على صورة نفوذه الحكومي، حيث سيجد نفسه هذه المرة واحداً من مجموعة تتشارك في إدارة البلاد، من دون حصرية لهذا الملف أو ذاك، ما يفتح الباب أمام نزاعات وصراعات قد تؤخر مصالح الناس. لكنها نزاعات أكيدة، في سياق سعي جميع القوى الى ترجمة ما حصدته انتخابياً على شكل نفوذ داخل مؤسسات السلطة في البلاد.
في الجانب السياسي، سمع الحريري كلاماً سعودياً وفرنسياً وأميركياً واضحاً، بأن المعركة ضد حزب الله مستمرة. لكن هذه العواصم لن تدفع الرجل الى مواجهات خاسرة، وهي تعرف مسبقاً أنه لن يذهب بعيداً في تلبية جميع مطالبها، مستنداً الى أنه لا يوجد في لبنان من يقدر على القيام بهذه المهمة، ومرتاحاً الى أن الانتخابات أجهزت على القوى والشخصيات التي تدّعي قدرتها على القيام بهذه المهمة.

رئاسة الحكومة محسومة له اللهم إلا... لكن منافسته باتت قوية في السلطة وعند السنّة والخارج يحاول تنظيم علاقته مع عون وحزب الله


كذلك، طلب من الحريري تسوية خلافه مع «القوات اللبنانية»، وكما قيل له إن اجتماعه مع سمير جعجع صار ضرورياً، وقالت الجهات نفسها لقائد القوات إن عليه التصرف بشيء من التواضع، وأن يذهب هو الى زيارة الحريري، ولو أن جعجع أراد الخروج بنتائج كبيرة، إلا أنه كان يعرف أن اللقاء مطلوب من الخارج وليس من الحريري. لذلك، سعى جعجع الى طرح الملفات كافة، بقصد النقاش، لكنه حصد نتيجة واحدة أكيدة، وهي إطاحة المستشار الإعلامي للحريري هاني حمود، بعدما أخرج جعجع ملفاً فيه الدليل التقني على أن حمود هو نفسه من يقف خلف حسابات على التواصل الاجتماعي توجه إهانات شخصية للقوات وللنائبة ستريدا جعجع. أما الملف الرئيس الذي يهم زعيم القوات، والمتعلق بحصته الوزارية، فلم يكن متاحاً في تلك الجلسة الحصول على وعود حاسمة في شأنه، ولا سيما أن الرجلين يعرفان أن هناك أطرافاً أخرى لها رأيها الحاسم في هذا الملف.
أما في ما يتعلق بالرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل، فالحريري يبدو أنه ألزم نفسه باعتماد سياسة تسقط عنه الانطباع بالانبطاح أمام عون وباسيل، وربما يساعده قراره بإبعاد نادر الحريري عن مكتبه، في إعادة صياغة علاقة جديدة مع باسيل، ولو أنه لا ينوي فتح أي مواجهة مع الرئيس عون، حتى ولو كان الأخير في صدد طرح ملفات خلافية على طاولة الحكومة المقبلة. وعون، هنا، يتصرف على أساس أن الحريري مضطر كما بقية القوى السياسية الى مواجهة الاستحقاقات كافة، ولا يبدو عون في حالة استعداد للتراخي مع الحريري نفسه من الآن فصاعداً.
لكن العنوان غير المرئي المطروح أمام الحريري يتعلق بما يسميه الخليجيون والغربيون «احتمالات قوية بحصول انتخابات رئاسية مبكرة». وفي هذا السياق، فهم الحريري جيداً أن حلفاءه من الخارج يهتمون كثيراً لأمر جعجع، ولو أنهم لم يتجاهلوا الحظوظ القوية لسليمان فرنجية. لكن هؤلاء يريدون أن يحسم الحريري موقفه باكراً، بعدم السير الى جانب باسيل. وهي مهمة دقيقة، بعدما كان الحريري قال عدة مرات للسعوديين وللفرنسيين والأميركيين، إن من الافضل الرهان على باسيل وعدم تضييع الوقت مع الآخرين.
أما المهمة الأصعب أمام زعيم تيار «المستقبل» فتتعلق بالوضع السياسي وسط الطائفة السنية في لبنان. وهو قرأ جيداً نتائج الانتخابات، ولمس حجم الحضور الشعبي الحقيقي لخصومه من الفائزين في بيروت والشمال والجنوب والبقاع. وهو يعرف، أيضاً، أن غالبية خصومه باتوا يملكون من الشعبية والقدرات المادية ما يتيح لهم منافسته في المرحلة المقبلة. وسيحاول هؤلاء الاستفادة من تحالفاتهم العامة لعدم تهميشهم من جنة السلطة، حتى ولو لم يتمثلوا مباشرة داخل الحكومة.
لكن الحريري يواجه، هنا، تحديات كبيرة داخل الفريق اللصيق به، حيث خسرت كتلته بعض الوجوه التي كانت تقاتل الى جانبه بقوة، كما أن من ربحهم ليس مضموناً له ان يكونوا الى جانبه بقوة. فكيف إذا خرج من عنده من يريد التصرف بطريقة مختلفة، سواء من الذين أقصاهم خلال فترة الاستعداد للانتخابات، أو الذين يشملهم الدور الآن، من الذين صدرت أسماؤهم أو الذين ينتظرون؟