بدءاً من اليوم سنكون أمام مشهد سياسي شبيه بمرحلة 1992. رئيس مجلس النواب نبيه بري، نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي، رئيس الحكومة، على ما هو مفترض، سعد رفيق الحريري، والنائب وليد جنبلاط لا يزال هو نفسه لاعباً أساسياً. كل المشهد السياسي بات مشابهاً، بما في ذلك وجود صهر رئيس الجمهورية في السلطة، وما يحصل في العهد وفي تركيبة الحكم القائمة على مفاصل عائلية ومقربين ومحسوبيات، تشبه مرحلة الرئيس الراحل الياس الهراوي، مع فارق وحيد أن نجله سقط في الانتخابات، ولم يعد إلى الواجهة السياسية.

26 سنة، تفصل لبنان عن تلك المرحلة، لكن لا يبدو أن الواقع السياسي، قد اختلف على رغم كم المتغيرات التي حصلت منذ ذلك التاريخ. ومفارقة ما يحصل في انتخابات رئاسة المجلس ونيابة الرئيس، لجهة تموضع القوى السياسية، يؤشر إلى أن ما يجري اليوم هو نسخة مشابهة لكل ما مر به لبنان، إبان مرحلة الوجود السوري.
ان يؤيد تيار المستقبل ترشيح بري ويرفض انتخاب الفرزلي، فيه كثير من المواربة والتذاكي، لأن الفرزلي لا يمثل بالمعنى «السوري» أكثر مما مثل بري في حقبة التسعينات. ولا يمكن الاتكاء على أن ثمة موجبات تحتم على المستقبل عدم اختيار الفرزلي، لأسباب مبدئية وسياسية بعدما تغير كل خطاب الحريري في السنوات الماضية، وبعدما تحالف مع رئيس الجمهورية وبري وكلاهما يدعمان الفرزلي وعودته إلى نيابة رئاسة المجلس. ولا يمكن تالياً فهم هذا الإصرار على رفض نيابة الرئاسة لمرشح عون وبري معاً، في حين أن أداء تيار المستقبل الانتخابي لا سيما في البقاع الغربي هو الذي أدى إلى فوز الفرزلي وتمرير انتخابه بأفضل طريقة ممكنة، وتسهيل عبوره إلى نيابة الرئاسة. في حين كان الجميع يعلم أن الفرزلي سيكون مرشحاً طبيعياً، خصوصاً بعد كل التفاصيل التي أحاطت بترشيحه نيابياً.
وأن ترفض القوات اللبنانية ترشيح بري والفرزلي معاً، فأمر مفهوم بالمعنى السياسي المبدئي كون القوات على طرفي نقيض معهما. وعلى رغم ذلك فالقوات تميز موقفها عن بري ونائبه العتيد الذي تقف معه على خصومة تاريخية مزمنة. لكن قرار رئيس حزب القوات الدكتور سمير جعجع يطرح أسئلة عن مغزى التصويت ضد بري طالما أن القوات درجت أخيراً على التنسيق معه في «الشاردة والواردة»، وهي كانت على ود معه منذ طاولات الحوار وقانون الانتخاب وغيرها من ملفات وضعت على طاولة مجلس الوزراء. وليس مفهوماً كثيراً موقفها الذي تحاول فيه التمايز عن التيار الوطني الحر، لتأكيد صداقتها مع بري التي يتغنى بها جعجع دوماً واختلافها معه في السياسة، والجميع يعلم الخطوط المفتوحة معه في أكثر من ملف وأولها تشكيل الحكومة. وهي التي تعرف ضمناً أنه لن يقف متفرجاً على تكتل رئيس الجمهورية وهو يسعى إلى تحجيم القوى السياسية المسيحية، القوات كما تيار المردة.

الفرزلي لا يمثل بالمعنى «السوري» أكثر مما مثل بري في حقبة التسعينات


لكن الانقلاب الكبير هو الذي يقوده التيار الوطني الحر الذي تدرج موقفه من هجوم شرس ضد بري قبل الانتخابات، والتلويح بأن التيار سيصوت بورقة بيضاء كما فعل بري في انتخاب رئيس الجمهورية، إلى تبني ترشيح بري، ممهداً الطريق بلهجة هادئة تشيد ببري وبإرسال وفد نيابي من التكتل النيابي الجديد إلى عين التينة.
يمكن للتيار أن يغلف تبدل موقفه من بري بكثير من الاعتبارات، وأولها وآخرها الغمز المستمر من قناة القوات وبأن الميثاقية هي التي تفرض الخيار الذي اعتمده رئيس التيار الوزير جبران باسيل. لكن ما قيل قد قيل ضد بري الذي يعرف تماماً أن هذا الانقلاب ليس فجائياً، وإنما كان أحد الشروط الأساسية التي وضعت أمام التيار قبل الانتخابات وبعدها. ليس لجهة الانفتاح الكلامي فحسب، إنما أيضاً في المواقف السياسية والعملانية التي ستظهر تباعاً من دون أن يعرف بعد كيفية تبريرها، بعدما ذهب التيار بعيداً في خطابه ضده. وهو أمر لم يكن ممكناً لحزب الله أن يتفرّج على استمراره، وهو الذي يقف وراء هذا التبدل الذي كانت تتحدث به أوساط مطلعة على مواقف الطرفين.
ولأن الجميع يعرف أن نيابة الرئاسة ستؤول إلى الفرزلي، قياساً إلى موازين القوى الحالية، فإنه يمكن اعتبار أن هذا الاستحقاق، ليس سوى تفصيل على طريق تشكيل الحكومة. لأن عند هذا الاستحقاق، تكمن الصورة الحقيقية لمستقبل الحياة السياسية، خصوصاً لجهة مواقف الطرفين الأساسيين رئيس الجمهورية ومعه تكتله النيابي، ورئيس المجلس النيابي العائد إلى لعب دور المحور الأساسي في عملية التشكيل. فإذا كان مسموحاً اللعب في هامش محدد، في ما خص انتخابات نيابة رئيس المجلس، فإن ثمة سقفاً، من غير المسموح تخطيه في عملية التأليف، التي ستبدأ عملياً من اليوم. ومع هذ الحكومة يمكن الكلام عملياً عن هذا المتغير الكبير الموعود. فبين توزع الحصص، وفصل النيابة عن الوزارة، والحقائب الخدماتية والسيادية، والتضييق على جميع المعارضين، ومصير النفط وتقاسمه، وتوزير أصحاب الحظوظ المقربين من العهد، نكون أمام مشهد يستكمل مرحلة حكومات 1992 وما بعدها. وقد يكون ذلك من الحسنات القليلة، لأن تلك المرحلة أنجبت معارضة حقيقية، فلعل ما يحصل اليوم، وفي غياب أي وصاية خارجية مباشرة، يؤدي إلى الأمر نفسه، في زمن محاولات التدجين المستمرة من أهل الداخل بذاتهم.