إنه محمد، حلاق «الديليفري» المتجوّل على دراجة هوائية منحها تصميماً فريداً لتتناسب ومهنته. يعرفه الناس منذ صغره بـ«أبو طويلة» نسبة إلى طول قامته. قد يوحي اللقب بأن صاحبه متقدّم في السنّ، لكن لمحمد ثمانية عشر عاماً فقط أمضى خمسة منها في «كار» الحلاقة. بدأت حكايته مع «المصلحة» يوم كان تلميذاً يتوقّف، في طريقه الى المدرسة ومنها، أمام واجهة محل الحلاقة المقابل لمنزله. اندهش بالمهنة وملأته الحشرية للمضي بها. قبل 5 أعوام، ترك المدرسة والتحق بالصالون نفسه.

(مروان بوحيدر)

يتجوّل «أبو طويلة» بـ«صالونه» النقّال على «البيسيكلات» بين بعجور وحارة حريك وحي الأكراد ومخيم البرج وعين السكّة وطريق الجديدة والضاحية. تجده في البيوت وعلى جوانب الطرقات، أو ربما في مبنى بلدية حارة حريك يلبّي زبوناً هناك، وعلى باب مخيم البرج، أو قرب المطعم الشهير… المحطات كثيرة ودروب الضاحية طويلة ومزدحمة. على الطريق يستمع عبر مكبّر صغير لـ«الستّ». يحبّ أم كلثوم ولا أحداً سواها. علاقته وثيقة بكلّ ما هو قديم وأصلي و«أنتيكا».
يجمع الحلاق الشاب في صوته لكنة أمه السّورية ولهجة والده اللبناني. «أبو طويلة» الذي نتحدّث عنه هادئ وودود ولا يكثر الكلام. لا يمكن تشبيهه بـ«حلاق إشبيلية» السليط اللسان في مسرحية بومارشيه أو في أوبرا روسيني بالعنوان نفسه. ربما بتجوّله بين الأزقة الفقيرة يشبه حلاقي الشوارع في شيراز والهند، أو في لوحة المستشرق لورد ويكس. المفارقة أن محمد يضع نظارات شمسية شفافة ويرتدي سروالاً بمقصّات ويعتمر قبعة من القش بأسلوب عصري. أسلوبه هذا يجعل زبائنه يستشيرونه في الثياب أيضاً إذ يروقهم ذوقه. الزي والدراجة يجعلان الناس يتجمّعون حوله لالتقاط الصور معه.
أسلوبه يجعل زبائنه يستشيرونه في الثياب أيضاً إذ يروقهم ذوقه


في الصندوق الخلفي الذي صنعه بنفسه من الخشب المعتّق يضع مرآة يسحبها للزبون ليستطلع التسريحة. عمل محمد طويلاً على الصندوق حتى أصبح على شكله الحالي وركّزه على خلفية درّاجته السوداء بجوانبها الذهبيّة اللون. يُدخل كل يوم تعديلاً جديداً على تحفته المتحرّكة. يزيد قطعاً ومقصّات ومصابيح. يريد أن يراه الناس متجدداً. يبتاع زينة «البيسيكلات» من محل الأنتيكا القريب. يدفع محمد له «بقدر ما يطلب». ما يهمه هو الحصول على أجمل القطع: مقصات، مكنات قديمة، فرشاة، موس… يعلّقها كلّها بمسامير على الصندوق. يوزع القليل من تلك القطع على قبعته أيضاً. لديه أخ أصغر منه سنّاً جعله يترك «مصلحة الأراغيل» ليعمل في الحلاقة. أحياناً يجمع «أسبوعيّته» في يوم عمل واحد.

(مروان بوحيدر)

يعتقد أن عدد زبائنه يفوق المئة. لذلك يقسّم وقته بشكل دقيق كي لا يبقى لديه الكثير من الفراغ. بين العاشرة صباحاً والواحدة ظهراً يتجوّل بالدراجة على زبائنه ويلبي الطلبات عبر الهاتف، بين الواحدة والتاسعة مساءً يعمل في الصالون. يريد مدخولاً مضاعفاً. حتى أنه يذهب في ساعة الغداء ليقضي «طلبيّة». يعود للعمل بعد التاسعة مساءً متنقّلاً حتى الثالثة فجراً. وقت طويل يقضيه «أبو طويلة» في العمل. أحلامه تحتاج ساعات عمل إضافية. يريد أن يشتري «توك توك» إنما «بسعر لقطة» وأن يحوّله إلى صالون حلاقة نقّال يزوّده بكرسيّ في المقصورة يجلس عليها الزبائن. يتخطّى عمل محمد الحلاقة للرجال فقط. هو أيضاً «وسّع» المصلحة لتشمل تسريح الشعر للنساء. العدة كاملة إذاً «سيشوار وفير وصبغة».
تصل تسعيرة القص وحلاقة الذقن لدى «أبو طويلة» إلى 15 ألف ليرة حدّاً أقصى، وتنزل إلى ألفي ليرة فقط بحسب قدرة الزبون، وأحياناً كثيرة «ببلاش». ينوي محمد أن يلتحق بمعهد لدراسة المهنة. يريد المزيد من الوقت ليجمع المال الكافي. لكنه في يوم من الأيام، حين يتضاعف عدد زبائنه، سيفتح صالوناً خاصاً به. سيكون الديكور قديماً وتراثياً وسيصنع الأثاث بيده. كراسي خيزران ولوحات خشب وتفاصيل أخرى. يرسم «أبو طويلة» في خياله صالوناً يصدح منه صوت أم كلثوم وحدها.

(مروان بوحيدر)