«وغداً يا أنصار، إذا مرّت الأيام مسرعةً، سأبقى أذكرك وإن كانت ذكراك أليمة. ولكن لا بأس بذلك. لأن الذكريات الأليمة هي التي تصنع الإرادة الصلبة وتقوّي شخصية الإنسان».

خاطرة لمعتقلٍ في أنصار، كتبها في 22-2-1983، قبل يومين من الإفراج عنه

■ ■ ■

«إن كان هناك سبب مقنع لأن نتذكر اليوم، فهو أنهم حريصون على أن ننسى. يبذلون غاية جهدهم لأن نخسر ذكرى الألم الذي أذاقونا إياه، وذكرى الإرادة التي قبلناهم بها. ولهذا فإننا معنيون دائماً بالتذكر، وترميم الذاكرة، خوفاً من أن يتحوّل انتصارنا بعد سنين إلى حدث عادي نذكره في يوم من أيام السنة، أو يتحول انهزام إسرائيل إلى مجرد قرار حكيم اتخذ لاعتبارات دولية وإقليمية. والتذكر هنا، أياً كان نوعه، ليس حالةً من الحنين والشوق إلى «الزمن الجميل»، أو إلى أيام «النقاء الثوري»، حيث كنا نصنع سلاحنا وتاريخنا بيدنا، بل هو نوع متميز من المقاومة التي تحتاج إلى استعدادات خاصة. وهو ليس متعلقاً بتخليد نضالنا الذي سفحت فيه دماؤنا لمجرد التفاخر به، بل من أجل البناء عليه، وتقديمه لكل شعوب العالم بوصفه تجربة ناجزة، تمكنك دروسها من هزيمة أكثر من جيش احتلوا أرضك بأقل الموارد المادية وأكثرها تواضعاً. لا شك بأن التذكر يتخذ قيمةً مضاعفة حين تواجه عدواً كإسرائيل يتخذ من النسيان سياسة، ليجمّل به وجهه ويطمس به تاريخ أعدائه ويشرّع به وجود كيانه، مرةً من خلال سعيها لمحو ذكرى النكبة من الذاكرة الشعبية، ومرةً من خلال القضاء على الشهود واجبارهم على الاعتراف بحق الإسرائيليين بارتكاب النكبة» (جوزيف مسعد ـ «مستقبل النكبة»).
ونحن في ماضينا الكثير ليروى؛ فتاريخٌ من جهاد رجالٍ ونساءٍ مغمورين لا زال رهن ذواكر بدأت تشيخ. لسنا مضطرين لاختلاق بطولات مزيفة، فعندنا من البطولات ما نكّس وجه إسرائيل إلى الأبد، وأيأسها من هزيمة شعب لم يترك لها طريقاً واحداً لتنتصر. فإسرائيل لم تغلب لأنها فقدت الكثير من جنودها وقدراتها، بل لأنها وجدت نفسها عاجزة عن المحافظة على أمل وحيد بالبقاء والانتصار على أرضنا. ليس المقاتلون الأشباح هم وحدهم من يكمنون لها ويضربوها على قفاها، بل هناك آخرون يواجهونها باللحم الحي ويسددون إليها هذه المرةً لكمةً مباشرة على الوجه. هذه فئة لم يكن تحسب لها إسرائيل حساباً. يطاردون، تكسر سواعدهم، يصلبون تحت الشمس، تهدد نساءهم بالاغتصاب، يجبرون على أن يعووا مثل الكلاب، ثم يضعون خلف الأستار الترابية والأسلاك الفولاذية، فإذا بهم يتوثبون كالضواري على جلاديهم. هذه ملحمة أخرى كان على إسرائيل أن تهزم بها، لأنها وفي جلاء الصورة، كانت بخالصها معركة إرادة.

مقبرة الأحياء والعالم المنسي
كذلك كان يصف المعتقلون عالمهم الجديد. معتقل في «أنصار» الجنوبية، مؤلف من 33 معسكراً محاطاً بالأسلاك الشائكة والسواتر الترابية وأبراج المراقبة، والكواشف الليلية. الأرض ترابية حمراء، وفوقها صفوفٌ طويلة من الخيم الجلدية. تحت كل خيمة 25 رجلاً لا يملك غير صندوق خشبي صغير يحفظ فيه أغراضه، وقصة حياته واعتقاله. بعضهم لا يعرف كيف يروي قصة اعتقاله، فهو لا يعرف سبباً واحداً لاعتقاله. نعم، كلهم يعرفون كيف عذبوا وأهينوا، ويتشاركون في أنفسهم الحقد نفسه على عدوهم. بعضهم صلب لمدة 24 ساعة في الشمس ومنعوه عن السقاية والأكل والتبول، آخرون ربطت الأسلاك الكهربائية بأعضائهم التناسلية وكهربوا أو جلدوا بحبال نحاسية ثخينة. وبعد كل هذا التعذيب جمعوا في أحط وضع بشري على الإطلاق، حيث غالباً ما يكون الطعام عبارة عن كميات محدودة من الطبيخ، معلبات منتهية الصلاحية، أو بيضة كانت توزع أحياناً على أربعة أشخاص، وفي أحسن الأحوال ملعقة مربى. فيما كان الماء شحيحاً لا يكاد يكفي لمعتقلي أنصار الذين بلغ عددهم 10 آلاف في الأشهر الأولى لإنشائه في تموز (يوليو) 1982. ولم تكن الرعاية الصحية أقل سوءاً فقد كان العديد من المعتقلين يعانون أزمات جسدية ناجمة عن انقطاعهم عن معالجة أمراضهم المزمنة والأمراض التي سببها لهم التعذيب، فقد أصيب بعضهم بفقدان الذاكرة أو بحالة من الصرع نتيجة الضرب المباشر على الرأس والضيق النفسي. وكان الدواء الأخير، أن يقدم المعتقل على الانتحار.
كان «أنصار» كمدينة صغيرة داخل أسلاك. فيه معسكر للنساء الذين اتهم بعضهم بقتل إسرائيليين، فيما المعسكرات الأخرى يتقاسمها أطفال ورجال وكهول جاؤوا من بلاد متعددة (لبنان، فلسطين، اليمن، الأردن..) وكانوا مشغولين بأمور مختلفة (معلمون، نجارون، فلاحون، طلاب جامعيون). أحياناً، كانت عائلة واحدة تدخل المعتقل، لكن لم يسمح لهم بالتلاقي إلا بعد انتفاض المعتقلين، فكانوا يتبادلون الرسائل وهم على بعد أمتار كما هي قصة الزوجين المعتقلين خديجة ومحمد عرندس. كان المعتقل معرضاً للموت في أي لحظة، فكثيراً ما كان الرصاص «يلعلع» فوق رأسه لمجرد الترهيب، أو يهدد بأن يأخذ إلى معسكر التعذيب واسمه «الجورة»، أو ينقل إلى سجن داخل الأراضي المحتلة، وغير معلوم إن كان سيعود.

«أنصار» مدينتنا المحررة
حين خرج جعفر من المعتقل، قال متحسراً: «يا ريت بقيت بأنصار، في أنصار توجد الحرية والكرامة. أنصار كانت مدينتنا المحررة». هذه حرية مسيجة بأسلاك. يدخل المعتقل ظاناً أنه سيذل كل يوم ويرى الهوان، فيستقبله المعتقلون بالأغاني الثورية وبالتصفيق، ثم يتعرف إلى هؤلاء الرجال الذين سبقوه، فيكتشف أن «أنصار» حررت قبل باقي الجنوب، وأن «مقبرة الأحياء» تهتز من فرط الحياة. لا شيء على طبيعته الرتيبة. الأحجار تنتقى عن الأرض، ثم يحفر عليها الرجال صورةً لغيفارا أو لرجل يجلس القرفصاء ويداه على رأسه وهي وضعية التعداد الصباحي اليومي، يعثرون على أنبوب نحاس، فيحولوه إلى أساورة. يقلعون بطانة الخيم ثم يمزجون التراب والعشب بالحبر ويصنعون علماً للبنان يعلقونه في عيد الاستقلال.
سيرة «أبو زيد الهلالي» يرويها أحد المسنين لقاء سيجارة، أو مطربون يغنون «يا بحرية»، و«يا علي»...

يصنعون من أسلاك السياج إبر خياطة ثم يطرزون بعض الأقمشة. أما أوقات الفراغ المتبقية، فيشغلونها بلعب كرة القدم (وهي كرات مصنوعة من اسفنج فرشة النوم) حيث يكسب الفريق الرابح أخيراً ميداليات مصنوعة من الحجارة أو الخشب. وقد يتدربون على فنون الدفاع الشخصي بقيادة المصارع علي غندور، أو يستمعون في خيمة محددة لسيرة «أبو زيد الهلالي» يرويها أحد المسنين لقاء سيجارة كبدل دخول، أو يشاهدون مسرحية كوميدية - على مسرح صنعت خشبته من الأسرّة - عنوانها «عشر دقائق» مستوحاة من ادعاء الإسرائيليين الكاذب بأنهم سيعتقلون لعشر دقائق، فإذا بالدقائق تصبح سنوات. وهم ما عدا ذلك يملكون فرقاً موسيقية، ومطربين يغنون «يا بحرية»، «يا علي»، «أناديكم»، أو بعض العتابا والشعر الفصيح الذي ألفه الشعراء في المعتقل. وإن أراد المعتقل أن يثقف نفسه، فبإمكانه تعلم اللغة العربية أو واحدة من اللغات الأجنبية في إحدى دورات اللغة أو المشاركة في «خيمة الأخبار» بكتابة المنشورات أو تجهيز العدد المقبل من صحيفة «نداء أنصار»، «فلسطين الثورة»، «جماهير أنصار». وإن كان رسماً أو خطاطاً، فسيكون نافعاً في رسم الكاريكتور السياسي الذي يعرض كل جمعة أو رسم صور قادة المقاومة على الأقمشة. هذه بعض ممارسات الحياة اليومية التي كانت ترفع يد المحتل عن نفوس المعتقلين، وتبقيهم على اتصال بقضية الاحتلال والمقاومة وإن في أصغر التفاصيل.
لكن التفاصيل تكبر. وهي لم تعد تسعها الأسلاك، والقوانين الصارمة:
1- الجميع يتبرم من سلطة المخاتير الذين عيّنهم الإسرائيليون داخل المعسكرات ليمارسوا الرقابة والإشراف عليها. بعضهم صار يحتكر كميات كبيرة من الطعام حارماً بذلك باقي المعتقلين، لذلك كان لا بد من إضعاف سلطتهم من خلال تشكيل «لجنة الدفاع عن الأسرى» المعنية بتنظيم الأسرى داخل المعتقل والتفاوض لتأمين حقوقهم.
2-معتقلٌ في المعسكر 20 يتعرض لإطلاق نار، فيهب المعسكر كله بوجه القوات الإسرائيلية، يرميها بالحجارة ويعلن الإضراب بالطعام ويفرض شرطه بالتحقيق في الحادثة ومعاقبة المسؤول.
3- عدد المرضى يتزايد والتجهيزات الطبية في تراجع، الأسرى يعلنون الإضراب الكامل ويتظاهرون لتأمين حاجاتهم الطبية.
4- القوات الإسرائيلية تشجع الخلافات المناطقية والعشائرية داخل المعتقل وتجعل المعتقلين في ضنك، فيهدد الأسرى، ويحرقون الخيم في الذكرى الأولى للاحتلال، ثم يحملون الأوتاد ويركضون وهم عراة باتجاه الإسرائيليين الذين فروا من أمامهم، وقد نجح المعتقلون يومذاك في احتجاز دبابة إسرائيلية.
5- الأسرى يزدادون جرأة على وقع أخبار المقاومة التي كانوا يسمعونها على راديو ترنزيستور مهرّب، فيفكرون بالفرار. بعض الأفراد يتسللون ويقطعون الأسلاك بقواطع بدائية. بعضهم ينجح. أما آخرون، فيعبرون الأرض من خلال أنفاق وصل طول إحداها إلى 20 متراً، حفروها بالأوتاد والملاعق، وأضاؤوها من خلال المرايا العاكسة لضوء الشمس، وموّهوها بزراعة الملوخية في التراب المتراكم، ثم فر عبرها العشرات مساء الاثنين في 8-8-1983.
6- البعض الآخر لا تعجبه فكرة الفرار تحت الأرض. يفكر بالفرار من بوابة السماء. فيصنع طائرة شراعية بأبسط الأدوات.
حديث الانتفاض والفرار داخل أنصار لا يلخص بتعداد. فقد شهد المعتقل ما يزيد عن 30 انتفاضة وعشرات عمليات الهروب. وسقط على أرضه الحمراء الندية 35 شهيداً ذاق طعم الحرية قبل الموت، واحتفل مع الرفاق ليلة استشهاده. هزأ بالاحتلال، وغنى مع رفاقه حتى الصباح أغنية للفرح والدماء:
«لقد عشنا من أجل صنع الفرح
وذهبنا إلى أنصار من أجل الفرح
صديقي!
أن نعيش بحرية فهذا عملٌ شاق، لكنه مليء بالأمل
فلنغني معاً
للدم المسافر إلى أنصار»
(رسالة، قصيدة من المعسكر رقم 18)