لا شيء يبقي ذكرى التحرير حاضرة، بقوة، كتصرف العدو المنهزم نفسه. كان في إمكان اسرائيل تجاهل الحدث بعد كل هذه السنوات. أقله، كان يمكنها عدم تذكره على شكل هزيمة، وهي تعاني اليوم سوء طالع مع الأعداء أنفسهم. لكن استعادة المناسبة، بتفاصيلها المنهكة، صارت جزءاً من الوعي الإسرائيلي. الإسرائيليون جميعاً، في كل المؤسسات والقطاعات، يعيشون هاجس الهزيمة الأقسى في تاريخ كيانهم الغاصب. وأدرك العدو أن التجاهل لا يحجب الصور القاسية في البيوت وفي الرؤوس.

حاجة العدو إلى التذكر والتفكّر لا تتصل فقط بمعركة. عاش الإسرائيليون ما وفره انتصار العام 2000 من عناصر قوة جعلت المقاومة تمنع العدو من استعادة المبادرة في حرب 2006. أكثر من ذلك، يتذكر الإسرائيليون هزيمة العام 2000، ليظلوا واعين بأن ما يحصل من حولهم اليوم إنما يتصل، في جانب أساسي منه، بما أنجزته المقاومة في ذلك التاريخ. يتذكر الإسرائيليون في ذكرى 25 أيار 2000، كيف استعاد الفلسطينيون ثقتهم بأنفسهم، وكيف عاد أبو عمار نفسه إلى خيار المقاومة بعد نجاح نموذج لبنان، وليس فقط بعد فشل نموذج أوسلو. كما يعرف العدو أثر تحرير العام 2000 في تحرير غزة بعد خمس سنوات، وكيف جعل انتصار العام 2006 المقاومة في فلسطين تشتد عوداً، وتنتصر في كل التحديات القاسية التي واجهتها خلال السنوات العشر الأخيرة.
لكن هناك أمراً آخر، يشعر العدو بالحاجة إلى العودة إلى أيار 2000 للتفكير في كيفية التعامل معه. إنه التحدي السوري. والعدو يعرف، بمعزل عن تواضع المقاومين عندنا، حجم الدور المعنوي والمادي للمقاومة في إفشال خطة إسقاط النظام في سوريا، وحجم الدور الكبير للمقاومة في إعادة الحيوية الميدانية للمواجهة بين سوريا والعدو. وإسرائيل، هنا، تخشى من أن المقاومة التي نجحت في رفع رايات لبنان العام 2000، وساهمت في رفع رايات فلسطين في الأعوام اللاحقة، تقود اليوم أكبر معركة هدفها رفع رايات سوريا فوق الجولان المحتل.
حتى غارة طيران العدو ليل أمس على نقاط عسكرية تعمل في قوات المقاومة في منطقة حمص ــــ القصير، ومهما كان سببها الميداني المباشر، فإن توقيتها، جاء من عقل يريد أن يقول للمقاومة المنتصرة في لبنان وسوريا، ولسوريا المنتصرة في سوريا وفي لبنان، بأن إسرائيل مستعدة أيضاً للمواجهة. لكن العدو يعرف، أيضاً، أنه بات في مواجهة وضع مختلف جذرياً عما كانت عليه الأمور قبل سبع سنوات.
هذا عندهم، فما الذي نحتفل به نحن عندنا؟
ما نعيشه من مآس في بلدنا وبلاد منطقتنا يجعلنا فرحين، بأن الاحتفال بعيد التحرير هذه السنة له حيثيته الطبيعية عند الناس. على رغم كل الحروب القذرة في العراق وسوريا، والحروب السياسية الأكثر قذارة في لبنان، فإن عيد التحرير لا يزال حاضراً بقوة. وعلى رغم المكابرة والإنكار والتخاذل والتآمر من أعداء المقاومة، وعلى رغم انقطاع «شرش الحياء» عندهم، فإن أحداً في لبنان، لا يقدر على تجاوز معنى هذه المحطة. فكيف، والتطورات السياسية في لبنان هذه الفترة تعود لتذكرنا بأن محاولة الانتصار سياسياً بعد فشل الانتصار عسكرياً، هي محاولة بائسة، قام بها من تصرف على أنه هزم في أيار العام 2000. ولا بأس بعد نتائج الانتخابات النيابية وما تلاها وما سيليها من خطوات دستورية وسياسية، أن يغضب هؤلاء أكثر، وأن يبكوا على أطلالهم، ويحلموا. لكن الحقيقة القاسية لهم، والناصعة لنا، أن انتصار العام 2000، لا يزال يتمدد وسيتمدد!
مرة جديدة، نقول لكل البائسين الذين لا يعرفون طي صفحاتهم السوداء، ويصرون على الصراخ احتجاجاً ومكابرة، ها نحن، نحتفل بالعيد الوطني الحقيقي، ولكم أن تفعلوا ما تريدون... وموتوا في غيظكم!