برودة عناصر قوى الأمن، لحظة تحلّقهم حول الجثّة الممدّدة أرضاً، كانت قاتلة. لم يظهر عليهم الذعر. ربّما كانوا يظنّون أنّهم إمام انجاز سيُكافأون عليه. أحدهم «فشخ» فوق الجثّة نحو السيّارة، التي كان يقودها القتيل، لتفتيشها. لم يجد شيئاً «ممنوعاً». أدركوا، عندها، أنّهم قتلوا شخصاً «عن طريق الخطأ». عرفوا لاحقاً أنّهم قتلوا شاباً بريئاً لديه أربعة أطفال. الشرطي الذي أطلق النار موقوف الآن. سينال عقابه، بحسب القانون، كما يؤكّد مسؤول أمني في قوى الأمن الداخلي. لن يعود نزيه حمّود إلى الحياة، رغم أنّ سعد الحريري، بنفسه، اتصل بوالد الشاب وقال له: «لن أترك الموضوع». ربّما تحمّس ذاك الشرطي «أكثر مِن اللازم». ربّما ظنّ، بعد أن انطلق الشاب مسرعاً بسيارته، أنّه «أحد الإرهابيين». هذه فرضيّات التحقيق إلى الآن. أطلق النار عليه مباشرة، لا على إطارات السيارة، ولا حتّى في الهواء تحذيراً. مرعب أن تعيش في مدينة يتبادر إلى ذهن رجال الأمن فيها، عند أيّ مخالفة، أنّك مِن «الإرهابيين»... وأنّك، بالتالي، تَستحقّ أن تُقتَل. لن نسمع لاحقاً عن محاسبة لمسؤولين وضعوا ذاك الشرطي في تلك الأجواء، الحذرة، فوجد أنّه بإطلاقه النار، قتلاً، إنّما يفعل الصواب. لن نسمع عن محاسبة مَن لم يؤهّله، مجتمعيّاً، كما يجب. هو، غالباً، لم يدخل «السلك» إلا ليتمتّع بوظيفة، بمعاش شهري وضمان صحّي، وبالتالي ليحفظ أمنه الاجتماعي الشخصي. هو، في مكان ما، ربّما يكون ضحيّة لكلّ المنظومة التي تحكمنا. أن تعيش في ظل ما يشبه «إعلان حال الطوارئ»... إلى الأبد. مفارقة عجيبة أن يكون حمّود مكرّماً مِن القوى الأمنيّة، قبل مدّة، وهو المشهور بنشاطه الجميل في جولات الدرّاجات الناريّة الكبيرة... هو نفسه المقتول، مِن القوى الأمنيّة، بتلك الطريقة الباردة.

شاءت الصدف أن يُشاهد الناس ذاك المشهد، الذي نقلته كاميرا مراقبة هناك، بالتزامن مع حدث آخر، شاهده الناس أيضاً، إنّما في موقع آخر... ووضعيّة (أمنيّة) أخرى. هنا مطار بيروت الدولي. امرأة تعترض على رجل أمن قرّر أن يُحرّر بحقها محضر ضبط نتيجة «مخالفة». امرأة برفقة رجل، تطلب مِنه، منفعلة، أن يتصل بضابط مِن جهاز أمني وبضابط آخر مِن جهاز أمني آخر، بغية «تربية» هذا العنصر الواقف أمامها وبيده دفتر المحاضر. لا يحتاج أحد إلى كثير ذكاء ليعرف أنّها «مدعومة» (من فوق). لا أحد يتجاسر، غالباً، على عناصر الأمن إلا إن كان «صديقاً» لأسيادهم. تركب سيارتها الضخمة السوداء، بعد أن «تُشرشح» العناصر، بأعلى صوتها، وتصف أحدهم، بالإنكليزيّة، بالـ «آس هول». على الأرجح أنّ الشرطي لم يفهم ما تقول، لذا لم يُسمع إن ردّ عليها: ماذا تقولين يا امرأة! كان صامتاً. تركب وهي تصرخ: «فاكينغ ليبانون». تعود وتنزل، طالبة مِن الرجل الذي يرافقها أن يحصل على اسم ذاك الشرطي، والكلّ في حالة صمت. تذهب إلى شرطي آخر وتسأله عن اسم زميله، فيقول لها: «حنبل عبد السلام». تردّ عليه: «عم تتسمخر!». ثمّ يردّ بدوره: «هيك اسمه، وحياة ترابات خالي هيك اسمه».

فجأة لا يعود لقوى الأمن «كرامة» يجب أن تُحفَظ!

هكذا، حنبل عبد السلام. ربّما كان الشرطي يحاول أن يسخر مِنها بهذه الطريقة «النيّة». هذا سقفه هنا. وجد أن يعطيها اسماً مثل حنبل، لأنّه، على غرابته، يكفي لتبريد رأسها الحامي. يعرف أنّه لو اعطاها الاسم الحقيقي فهذه ستكون نهاية زميله. إنّه حنبل، وفقط. هذه أسماء ليست مألوفة للمرأة، اللبنانيّة، التي كانت أكثر شتائمها بالإنكليزيّة. تقول لهم، لعناصر الأمن: «أنت أكثر مِن عشرة». تشير إليهم بيدها. نجحت في إخراسهم. بدوا كما لو أنّهم «أرانب» أمامها. هؤلاء هم، أنفسهم، الذين يُمكن في مكان آخر، في ظرف آخر، أن يُطلقوا النار على أحدهم بكلّ هدوء وقتله. في المطار، تحديداً، لو كان المخالف سائق سيّارة عموميّة، أو مواطنا «غلبان» لا تشمل لائحة معارفه ضبّاطاً مِن مختلف الأجهزة الأمنيّة، وبالتالي لا يُجيد ممارسة «الفجور» الصوتي... ألم تكن عظامه لتتكسّر لو فعل ما فعلته تلك المرأة؟ تبيّن أنّ هذه الحادثة، المسجّلة بكاميرا هاتف، حصلت في الشهر الأخير مِن العام الماضي. تكهّن كثيرون بهويّة تلك «الواصلة». إشاعات كثيرة. في النهاية تبيّن أنّ اسمها نانسي ناجي عون.
انتشر فيديو آخر، لامرأة أخرى، في المطار أيضاً، تصرخ بعناصر الأمن وتقول لهم «يا كلاب». هدّدتهم بوزير الداخلية نهاد المشنوق. «أنا بفرجيكم إذا ما بحبسكم». هنا تخرس الشرطة مرّة أخرى. مسؤول أمني يقول إنّ الحادثة الثانية تسبق، زمنيّاً، الحادثة الأولى. الثانية، وعنوانها «يا كلاب»، جرى تحرير محضر ضبط بحقّ الفاعلة وجرت «استضافتها» في مكتب الضابط، ثم غادرت. أمّا صاحبة مقولة «آس هول»، إيّاها، فاكتفى «الأمن» بتحرير ضبط المخالفة فقط مِن دون «استضافتها»... ولو قليلاً. هذه بدت «أعتى» مِن تلك. مَن يجرؤ عليها وهي تتوعّد، واثقة، بأسماء أشهر الضبّاط في لبنان! أين القضايا التي تقام، باستمرار، ضد مَن هم «تحت» بعناوين مثل «مقاومة رجل أمن» أو «معاملة رجل أمن بالشدّة»؟ كلّ ذلك يتبخّر أمام نانسي. فجأة، لا يعود لقوى الأمن «كرامة» يجب أن تُحفَظ!
يحار مَن يرى هذه المشهديات كيف يشعر تجاه عناصر قوى الأمن. أيسخر مِنهم أم يشفق عليهم أم يشمت بهم. ألا يحق لهم أن يخافوا على مستقبلهم، أمام التهديد بالواسطات، وهم يعرفون، أكثر مِن غيرهم، طبيعة المنظومة التي يخدمون وفقها؟ «أرانب» هنا لكنّهم «سباع» هناك. هؤلاء هم أنفسهم الذين لا يتركون فرصة إذلال، بحق ضعيف عابر، أو مَن يبدو كذلك، إلا ويستفيدون مِنها. هم أنفسهم، الذين قتلوا نزيه حمّود، ويتّموا أربعة أطفال (جاد ويارا ودانا وتيا)، سيظهرون دائماً بمنتهى الانسحاق أمام نانسي ومثيلاتها، مِن الذكور والإناث على حدّ سواء، إذ تقفز «الواسطة» هنا فوق كلّ التوصيفات «الجندريّة».