حتى مساء يوم الجمعة الماضي، كانت إدارة بنك سرادار قد أبلغت 50 موظفاً صرفهم تعسفياً، غالبيتهم تجاوزوا سن الخمسين، أي أن فرصة إيجاد عمل جديد تكاد تكون معدومة، والأفدح أن من بينهم عدداً من الموظفين المصابين بمرض السرطان. لائحة الصرف لا تشمل هؤلاء فقط، بل هناك 20 اسماً جديداً ينتظرون تبلّغهم، بين يوم وآخر.

يجزم أحد كبار الموظفين أن هذه العملية تنطوي على سوء نيّة واضح. فهي تأتي بعد نحو سنتين على نشوء بنك سرادار من عملية دمج بين مصرفي «الصناعة والعمل» (BIT) و«الشرق الأدنى التجاري» (NECB) والتي حصلت بموجبها المجموعة الناشئة على قرض لتغطية كلفة الدمج بقيمة 87 مليون دولار بفائدة صفر في المئة لتغطية كلفة الدمج بما فيها عمليات الصرف. يومها كانت نيّة إدارة المجموعة الناشئة عن عملية الدمج مكشوفة لجهة صرف عدد كبير من موظفي بنك الصناعة والعمل بذريعة أنهم تقدموا في العمر أو لا مكان لهم في البنك الجديد. لم تتمكن الإدارة من ترجمة نواياها. الموظفون انتفضوا بوجه القرار الجائر. طالبوا بأن يكون الصرف وفق بروتوكول محدّد ومتعارف عليه في القطاع المصرفي لمعالجة مثل هذه الحالات.
هكذا انطلقت المفاوضات بين الموظفين والإدارة. كان الأمر شاقاً لكنه ضرورياً لتأمين مستحقات تضمن للمصروفين معيشة لائقة، لا سيما أن العدد الأكبر منهم لن يجد عملاً بعد الإنهاء القسري لعملهم. بعد أشهر، اتفق على بنود «بروتوكول الصرف» برعاية وزارة العمل. تم تحديد التعويضات للمصروفين على أساس معايير متعددة منها أقدمية الموظف ومركزه… كذلك حدّدت مدة سريان البروتوكول حتى 20 نيسان 2017.
فلسفة وجود البروتوكول أن صرف الموظفين وإعادة هيكلة المصرف مدعومة من مصرف لبنان. فبموجب الدمج حصل المصرف الناشئ على قرض قيمته 87 مليون دولار بفائدة صفر. قسم من هذه الأموال يخصص لتأمين خروج منطقي ومعقول للمصروفين الذين ترتأي الإدارة الجديدة أن لا حاجة لهم. من الطبيعي بعد عملية الدمج، ليس التقليص وحسب، بل تمسّك المصرف الناشئ بموظفين يريدهم حصراً في مواقع محددة كانت مشغولة من موظفين في أحد المصرفين.
غير أن سوء النيّة ظهر مع نهاية مدّة البروتوكول. في ذلك الوقت، لم تصرف الإدارة الجديدة أكثر من 20 موظفاً على رغم أنها قد حدّدت لائحة تشمل أضعاف هذا الرقم. ولكن لم تكد تمضي ثلاثة أشهر، حتى قرّرت الإدارة الجديدة صرف 12 موظفاً من دون سابق إنذار وبلا أي مبرّر اقتصادي. مذذاك، ارتفع العدد إلى 50 وتبيّن أن لائحة الإدارة تضم 70 اسماً.
خمسون شهيداً مصرفياً وعشرون ينتظرون. لم يستفد أي منهم من البروتوكول.عرضت عليهم الإدارة مستحقات الصرف التعسفي المتعارف عليه الذي يشمل أشهر الإنذار وتعويضات تتراوح بين شهر و12 شهراً كحد أقصى. ”هذه التعويضات لا تساوي ثلث ما كان يمكن أن يحصلوا عليها لو صرفوا على أساس البروتوكول“ يقول أحد الموظفين. ويضيف أن الإدارة قامت بما هو أسوأ إذ لم تبرّر عملية الصرف أمام وزارة العمل، ولم تلجأ إلى استخدام المادة 50 من قانون العمل التي تتيح لها القيام بالصرف الاقتصادي. لماذا لم يصرف هؤلاء على أساس البروتوكول إذا كانت العملية مجرّد إعادة هيكلة. عملية إعادة الهيكلة مخطّط لها منذ الدمج، لكن الصرف يتم اليوم. هناك سوء نيّة مبيّت تجاه الموظفين، لا سيما أن الإدارة استفادت من القرض المدعوم من مصرف لبنان ووظّفته في سندات خزينة وحققت عوائد طائلة“.

إدارة سرادار استفادت من قرض مدعوم من مصرف لبنان ووظّفته في سندات خزينة بدل تغطية عملية الصرف


في المقابل، تقول مصادر في إدارة بنك سرادار، إنها كلّفت شركة ماكينزي للاستشارة في مجال النهوض بالمصرف وتمكينه من المنافسة. خرجت هذه الشركة بتوصيات تشير إلى ضرورة الانتقال من الصيرفة التقليدية إلى الصيرفة التي تستخدم التكنولوجيا المتطورة. هذا الأمر يعني أنه يجب تقليص عدد ومساحات الفروع المصرفية، وتقليص عدد الموظفين وتغيير بعضهم بما يتلاءم مع قدراتهم التقنية المطلوبة. الموظفون الذين هم فوق الخمسين عاماً لم يعودوا قادرين على مواكبة التطورات المطلوبة في هذا المجال، ولا إمكانية للاستمرار بالصيرفة التقليدية إذا كان المصرف يسعى إلى المنافسة وتحقيق الأرباح.
بالنسبة لإدارة المصرف، فإن المسار واضح، وهو يفرض عليها صرف نحو 70 موظفاً بينهم من لا حاجة له بشكل نهائي، وبينهم من ليس لديهم القدرة ولا الإمكانية على مواكبة التطورات التكنولوجية في المصرف. ”للأسف إن هذا التطور الجاري في المصرف يؤدي إلى صرف موظفين، لكنه في المقابل يخلق فرص عمل. إعادة الهيكلة تشمل 40 وظيفة جديدة في المصرف“.
الموظفون ليسوا معنيين بمبرّرات الإدارة التي كان لديها الفرص لصرفهم على أساس بروتوكول الصرف، إلا أنها قرّرت انتظار نهاية مدّته لتقوم بعملية صرف واسعة بكلفة الحدّ الأدنى. الأمر لا يتعلق بأهداف الإدارة وحقها في تنفيذ هذا الأمر، بل بأنها تحاول تحقيق الأهداف على حساب التعويضات التي يجب أن يحصل عليها من صرفوا، وبينهم من هو مصاب بأمراض مستعصية لن يجد شركة تأمين تغطي طبابته وأدويته، عدا أنهم لن يجدوا من يوظفهم هم وغيرهم من المصروفين.