قضائيّاً، هذا مآل قضيّة المقدّم سوزان الحاج: كأنّها وافقت على افتراء شخص ضدّ آخر، أمام القضاء، في دعوى سرقة درّاجة ناريّة. هذا ما خلص إليه قاضي التحقيق الأول لدى المحكمة العسكريّة، القاضي رياض أبو غيدا، في قراره الاتهامي الصادر أمس. الحاج «وافقت» أن يفتري إيلي غبش على زياد عيتاني في تلفيق تهمة عمالة للعدو الإسرائيلي. وافقت، لا أكثر! ينتهي كلّ شيء هنا. لم يُقرّر القاضي منع المحاكمة عن الحاج، ما يعني أنّه لم يرها بريئة، لذا أحالها إلى المحكمة العسكريّة طالباً معاقبتها وفق المادة 403 مِن قانون العقوبات (افتراء) معطوفة على المادة 219 (تدخّل). هي ليست مفترية، بحسب القاضي، إنّما متدخّلة في جرم الافتراء. كلّ ما سمعناه سابقاً، على مدى الأشهر الماضية، علينا أن ننساه الآن. ليست الحاج هي مَن شغّلت غبش ودفعته لفعل ما فعل. القاضي يقول: «هي لم تأمر بذلك، بل غبش هو مَن عرض الأمر عليها، أي أن يختلق أدلة لتوريط عيتاني. أراد غبش أن يُبيّض وجهه أمامها: شو رأيك نعمل هيك وهيك بعيتاني؟ وهي وافقت». مسكينة الحاج! كم هو شرير ذاك الغبش! الأخير أحيل بمادة الافتراء بلا مادّة «عَطف». أمّا المقدّم، إيّاها، فكانت تستحق «العطف». هي مجرّد متدخّلة في الافتراء بحسب العطف على المادة 219 المذكورة. بالمناسبة، قرار القاضي أبو غيدا جاء بالتوافق مع مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي بيتر جرمانوس. هذه إشارة قد لا يكون لها أيّ معنى.

غبش، المتّهم بالافتراء، والحاج، المتّهمة بالتدخّل بالافتراء، أرادا بفعلهما «تلبيس» عيتاني جناية. ولذا، بحسب القانون، تكون عقوبة «المفبرك» جنائيّة أيضاً. تنصّ الفقرة الثانية مِن المادة 403 على الآتي: «إذا كان الفعل المعزو يؤلّف جناية عوقب المفتري بالأشغال الشاقة الموقّتة عشر سنوات على الأكثر». هذا بما خصّ المفتري، لكن ماذا عن المتدخّل؟ يقول القانون، في مثل حالة الحاج، إنّه «تُنزَل به عقوبة الفاعل بعد أن تخفّض مدّتها مِن السدس حتى الثلث» (المادة 220). هذه تفاصيل تلخّص أشياء كثيرة ستُثار لاحقاً.
عموماً، طالما أنّ قاضي التحقيق لم يمنع المحاكمة عن الحاج، وأحالها بجناية (معطوفة) على المحكمة العسكريّة، فلِمَ أخلى سبيلها الآن، والحديث هنا عن قضيّة أثارت الرأي العام ومسّت، بلا شك، بما يُسمّى «هيبة الدولة»؟ جواب القاضي: «هذه مساحة خاصّة للقاضي، لتقديره، والتقدير كان أن مدّة توقيفها، وسائر المعطيات، كافيّة للموافقة على إخلاء السبيل». هذه مساحة خاصّة للقاضي، والقاضي حرّ، طبعاً، ومَن لا يُعجبه ذلك فهو... حرّ أيضاً.

قضاؤنا «بجنّن» و«بعقّد» وليخرس كلّ مَن يقول غير ذلك... وليخسأ الخاسئون


ألم يجد القاضي، ومِن قبله مفوّض الحكومة، أي الجهة المدّعية، أيّ عنوان آخر في قضيّة الحاج سوى مادّة «الافتراء»؟ هكذا يعني، الحاج كأي مواطن «عادي» افترى على مواطن آخر، في قضيّة سرقة «علبة فول» مثلاً، أو، بحسب تهكّم قاضٍ سابق: «كأنّ أحدهم افترى على جاره برمي سطل ماء عليه»! الحاج مواطنة عاديّة؟ أليست موظفّة حكوميّة، كانت في منصب حسّاس، أمنيّاً وقوميّاً واستراتيجيّاً وما شاكل! لِمَ غيّبت المادة 376 التي تتحدّث عن عقوبة «كلّ موظف أقدم، بقصد جلب المنفعة له أو لغيره أو بقصد الإضرار بالغير...»؟ ربّما هذا لن يزيد في العقوبة، إنّما، أقلّه، لتذكير سائر الموظّفين، الأمنيين تحديداً، أنّ القانون لا يسمح لهم أن يعبثوا بحيوات الناس. مجرّد تذكير! المواد التي تتحدّث عن الموظفين، وعن مضاعفة العقوبة لهم عند الإخلال بعملهم، كثيرة في القانون. تحصل هذه الخفّة في أكثر القضايا حساسيّة في بلادنا، أي العمالة للعدو الإسرائيلي، ثم يُصاغ المشهد في النهاية على أنّه مجرّد «افتراء»... بل مجرّد «تدخّل». إنّ لم تكن مثل هذه القضايا تُعتبر مسّاً بالأمن القومي، المنصوص عنه في القانون، فمتى يكون ذاك المسّ؟
كلّ ما سلف هو في القانون. محض القانون. أمّا مَن يتحدّث عن قضاء مُسيّس، معاذ الله، فيجب على القضاء أن يضربه بيد مِن حديد، أو أن يقول له أقلّه: «يا عيب الشوم عليك». أساساً، مَن يجرؤ على التشكيك بعد أن قال لنا القاضي، بحزم وجزم وقطع، وبثقة أيضاً: «لم يحصل معي أيّ تدخّل سياسي»! القضاء في بلادنا رائع، في أعدل مستوياته، طبعاً. قضاؤنا «بجنّن» و«بعقّد» وليخرس كلّ مَن يقول غير ذلك... وليخسأ الخاسئون.