يضيق المكان بالمتجمِّعين تحت عدد من أشجار الـ«فيكوس» التاريخية. ينضمُّ إليهم، لاحقاً، عددٌ ممَّن أعجبتهم «الفكرة» وقرّروا أن يحضروا «الأمسية الرمضانية» حتّى النهاية. «رمضان في المكتبة»؟ تقول لانا الحلبي (الشريكة المؤسِّسة للمكتبة) للحضور: «دبروا حالكن بالقعدة، البيت بيتكن». تخاطبهم بلُغة بسيطة كأنّهم أفراد عائلتها الكبيرة.

لا يمكن فصل الصورة بين داخل المكتبة وخارجها. يبحث الروّاد عن «عناوين» جديدة وقديمة، بالتوازي مع «جمهور» افترش الرصيف خارجاً. يوجّه عازف العود الشاب عبدالقادر فتّوح (مواليد حلب 1998) تحيّة إلى روح الفنان عماد حشيشو. يُطلُّ فتّوح للمرة الأولى أمام الجمهور عازفاً على العود «تجلّيات رمضانية» لمحمد عبد المطلب وغيره ممّن غنّوا الموروث الشعبي كسيّد درويش والشيخ إمام. وينجح الحكواتي خالد النعنع (فلسطيني مواليد 1982) في «خطب ود» الجمهور المتفاوت الأعمار عبر مجموعة من الحكايات والقصص الشعبية. يقرُّ بأن مخاطبة جمهور متنوع عمرياً أمرٌ صعب: «بدّك تحاول تعمل شي مشترك حتى ما تهمّش حدا». يرى النعنع أن مهنته «شغف قبل أي شيء آخر». لا يخشى على مستقبلها على رغم إدراكه لتراجعها في زمن المقاهي العصرية والنيوميديا، لأن «هناك حاجة عند الناس لمثل هذا النوع من الفن». يحاول النعنع أن «يُحدِّث» في مضمون السّرد وأسلوبه بما يتلاءم مع جمهور اليوم المُتعلّق بالتكنولوجيا والسُّرعة.
لم يهدأ أفراد عائلة الحلبي طيلة «الأمسية»، وبينهم «الأب المؤسّس» للمكتبة عبدالله الحلبي (يؤرّخ لانطلاقتها في العام 1958 يوم كانت عبارة عن مجموعة من المجلات والكتب الملحقة بدكّان سمانة). يوزّع السبعيني البطاقات الخاصة بالمكتبة على الحاضرين ويتحقّق من وصول «الحلوى الرمضانية» للجميع. يقول لـ«الأخبار» إن «تخمة الدراما التلفزيونية الرمضانية ستعيد الناس تدريجاً إلى البحث عن فعاليات شعبية كهذه».
تحاولُ مكتبة الحلبي العريقة، منذ إعادة افتتاحها قبل سنتَيْن، أن تُقرِّب المسافة أكثر بين الكتب والناس. وهي إذ تسعى لجعل الثقافة بمتناول شريحة واسعة من الناس، فإنّها تجرُّهم أيضاً إلى فخّ شراء كتاب. تقول لانا: «نحاول أن نجمع كل الناس المهتمين بالكتب والقراءة في مكان واحد. نسعى لخلق مساحة ثقافية مجانية وحيزاً لعشاق القراءة على رغم أننا مكتبة بيع».
يقلّب عبدالله الحلبي صفحات كتاب قديم عن بيروت ويشير لمحدّثه عن الأماكن التي يحفظها عن ظهر قلب. يقول: «وسط بيروت اليوم بلا روح. أين ذهب الناس؟». يجزم الرجل العارف بخبايا «مصلحة الكتب» وصاحب الأرشيف الضخم من الدوريات والمجلات والصحف القديمة «أن الورق لا يفقد قيمته على رغم التحديات المعروفة اليوم. الكتاب ما بيموت». تبدي ابنته لانا (29 سنة) شغفاً كبيراً بـ«عالمها» الذي تفرَّغت له في السنتين الماضيتين منذ تسلّمها إدارة المكتبة إلى جانب أبيها. يسألها أحدهم عن نصيحتها «بكتاب ما»، فتشير إلى مجموعة كتب لمتصوّفة إسلاميين من بينهم جلال الدين الرومي.
في نهاية إحدى حكاياته في «الأمسية»، كان الحكواتي يقول: «طالما في أمل ما في شي مستحيل». الأمل والشغف والمبادرة وروح بيروت الجميلة، كلها اجتمعت في مكتبة الحلبي.