الرئيس المكلّف سعد الحريري يبدو كمن يملأ الوقت بلا شيء. يوم أمس، خرج ليقول إن صلاحية تأليف الحكومة منوطة به وبرئيس الجمهورية، وإن لبقية القوى أن تبدي مقترحات. كلام بديهي لا نقاش فيه. لكن، ماذا عن المفاوضات الجدية مع القوى السياسية؟ لا أحد يمكنه القول إن ملامح مسودة أولية لحكومة مقبلة باتت جاهزة في جيب الحريري أو غيره. لا حصص، لا حقائب، ولا أسماء. ماذا ينتظر المعنيون؟ لا شيء أيضاً. هل يريد الرئيس المكلّف أن يسمع من السعودية مطالبها الخاصة بحماية القوات اللبنانية؟ وَرَدَه أن الرياض لن تتدخل، وأن كل ما يعنيها هو حماية وجود وازن للقوات في مجلس الوزراء. فالسعوديون، بحسب بعض المتصلين بهم، يريدون أن يتحمّل الحريري وحده مسؤولية خياراته، «وليجرؤ على المس بالقوات»! لكن الكلام عن عدم التدخل تناقضه الاتصالات التي أجراها القائم بالأعمال وليد البخاري، قبل تكليف الحريري، بعدد من النواب السنّة من خصوم تيار المستقبل، «متمنياً عليهم احتضان دولة الرئيس سعد الحريري من خلال تسميته لتولي رئاسة الحكومة».

وبصرف النظر عن الأسباب، يُرجئ الحريري البحث الجدي في مسألة الحكومة إلى ما بعد عيد الفطر، وعودته من روسيا حيث سيحضر المباراة الافتتاحية للمونديال، إلى جانب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وربّما يقضي إجازة العيد مع عائلته. يستمر رئيس تيار المستقبل بالمماطلة غير المفهومة، على رغم التحديات الكبرى التي يواجهها البلد المنكوب، سياسياً، واقتصادياً، ومالياً، ونقدياً. يتصرّف كما لو أن البلاد «بألف خير»، وأن لا ملفات ضاغطة. منذ مؤتمر «باريس 4»، يرى الحريري أن المال الموعود سيمنح لبنان فرصة تسمح له بالتنفس حتى بدء استخراج النفط والغاز، أو الاستدانة «بضمانة» الثروة المحفوظة تحت قعر البحر. لم يقرأ، كغيره من السياسيين، نتائج الانتخابات النيابية، إلا من زاوية تراجع تياره.

الحريري يريد الانقلاب على نتائج الانتخابات، وتجاهل أن 8 نواب سنّة فازوا وهم يُعلنون أن معركتهم معه

وهذا التراجع ينسبه الحريري، وآخرون، إلى الخطاب السياسي، والتحالفات، وسوء أداء التنظيم الحزبي. لا يقيم أي اعتبار إلى أن معيشة الناس باتت شديدة الصعوبة، وأن معالجة أي قضية من القضايا، البيئية أو الاقتصادية أو الإدارية أو الأمنية بحاجة كل منها إلى إعلان حالة طوارئ. الطائرات المعادية لا تفارق سماءنا، من دون أن يستدعي ذلك نقاشاً حول الأمر، مجرّد نقاش. أزمة الحدود الجنوبية لم تُحل، ويأتي صهاينة واشنطن بمقترحات نيابة عن العدو، فيترك رئيس الحكومة الأمر للرئيسين ميشال عون ونبيه بري، كما لو أن القضية لا تعنيه. يكفيه أن إيمانويل ماكرون لا يرد له طلب، وأن صهر دونالد ترامب، جاريد كوشنير، يتواصل معه مباشرة. كل همّه منحصر في «مقاعد السنّة» في الحكومة، ووضع الفيتوات: لا لتوزير ممثل لنجيب ميقاتي؛ لا لتوزير ممثل عن سنّة 8 آذار. يريد الانقلاب على نتائج الانتخابات، وتجاهل أن 8 نواب سنّة (نحو ثلث مقاعد السنّة) فازوا وهم يُعلنون أن معركتهم معه.
ليس الحريري منقطعاً عن التواصل مع أحد. يلتقي علي حسن خليل ووائل أبو فاعور وملحم رياشي. ويجري غطاس خوري سلسلة اتصالات، لكن، لا نقاش جدياً يمكن أن يؤدي إلى إبصار الحكومة النور قريباً.
ماذا ينتظر رئيس الحكومة المكلّف؟ لا أحد يملك الإجابة على هذا السؤال.