مرّ محافظ بيروت بسيارته الألمانية في شارع روما. يا لها من زحمة سير خانقة. يجب التخلص منها يوماً ما. الله كريم. يصل إلى «سبيرز». يشير للسائق باصبعه يساراً... اهرب نحو كليمنصو. هذا الجنرال صدره رحب كشارعه. يدلف باتجاه البحر. ينظر مزهواً نحو إنجازه الأسطوري: جادة الملك سلمان. يرد أبو محمد له التحية فيتفتّق على فكرة ذكية: ممنوع رفع الأعلام الأجنبية في خلال كأس العالم. يصل إلى مكتبه ليسطّر فرمانه مستنداً إلى أحكام القانون الصادر في 19/10/1945.

يخرج ليكمل يومه الطويل. يهرب من ضيق المدينة باتجاه البحر. المباني تغطّي المكان. يفرح بالاستثمارات المحلية. المحافظ يدخل السرور إلى قلب كل رأسمالي، المهم أن يكون لبنانياً صافياً من الهوية إلى العلم. يصل الخبر إلى بيوت محاذية لمنزل «شوشو» التراثي (هدم بقرار من بلدية بيروت) حيث تُرفع أعلام «مونديالية». الناس تسخر من القرار. غريب؟ الغريب أن لا يستغرب أحد من القرار.
يحمينا المحافظ من حرب أهلية (علم إيران مقابل علم السعودية) أو من «الغربة الثقافية». آلاف المقالات نشرت حول العالم عن «جدلية الانتماء» في كل ما يخصّ كرة القدم، خصوصاً في دول «العالم الثالث» أو بالأحرى تلك التي لا تصل إلى المونديال. لكن لا نعلم كيف نتعامل مع قرار سعادة المحافظ... من منطلق علمي بحت؟ إذا رفع العلم اللبناني إلى جانب علم آخر «بيمشي الحال». «كلّها شهر» سعادتك. ساعدنا على الانتماء عبر المدرسة الرسمية والجامعة الوطنية والضريبة التصاعدية. قد تقول «مش من مهامي»، لكن الناس لا تراك سوى ضمن حلقة... حلقة في هذا النظام. منذ حوالى الشهر، مرّت نتائج الانتخابات وكانت منافسة «شريفة» بين محورين إقليمين. مشكلتك في الكُرة اليوم؟ أليست بيروت «لكم» طيلة الحياة؟ أعرها للناس شهراً كل أربع سنين.
يتداول عدد من الباحثين في الغرب في نظرية جديدة: «كرة القدم أفيون الشعوب». يعتقدون أنها «تجديد» لما قاله كارل ماركس (الدين أفيون الشعوب) في العام 1844. أفيون وببلاش يا رجل. وزراء في حكومتك ساهموا في نشره في كل بيت. وكما تعلم، الأفيون بحاجة لأكثر من النبتة لكي يُستهلك... والأعلام أيضاً من عدّة كأس العالم.
الناس ليسوا جاليات ألمانية وبرازيلية وأرجنتينية... هنا في لبنان ملايين من المستهلكين يطمح بعضهم أن يكونوا مواطنين. ويوم بلوغنا هذا اليوم المجيد اسمح لنا أن نتخدّر لمدة شهر. كل ذلك في مصلحتك: نحن نتخدّر وأنت «تمرّر» المراسيم.