خصص المرسوم الاشتراعي الرقم 123 تاريخ في 12/6/1959 (الأحكام الخاصة بوزارة المالية) الباب الثاني منه لإدارة الجمارك، وجاءت المادة التاسعة لتمنح المجلس الأعلى للجمارك سلطة الإشراف والرقابة على إدارة الجمارك، وذلك تطبيقاً لقانون الجمارك والنصوص التشريعية ذات الصلة، ومنحت المادة 11 المجلس صلاحية إصدار النصوص التنظيمية المتعلقة بإدارة الجمارك وموظفيها، وأجازت له ممارسة صلاحيات الوزير في ما يتعلق بقانون الموظفين وقانون المحاسبة العمومية، على أن يكون المجلس الأعلى مسؤولاً عن أعماله أمام وزير المالية.

أما بخصوص مديرية الجمارك العامة، فقد خصّص لها القانون مادة وحيدة هي المادة 16 التي نصّت على أن يعيّن مدير الجمارك العام من ملاك موظفي الجمارك بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء. ولما صدر مرسوم تنظيم وزارة المالية (الرقم 2868 تاريخ 16/12/1959)، فإنه نصّ في المادة 60 على أن يمارس المجلس الأعلى للجمارك الصلاحيات والمهام المنصوص عليها في الأحكام الخاصة به. وبموجب المادة 61 ألحق بالمجلس الأعلى للجمارك ديوان ومصلحة مراقبة ومصلحة دراسات جمركية.
إن هذه الوحدات المرتبطة بالمجلس الأعلى هي دليل على الدورين التنفيذي والرقابي اللذين يمارسهما المجلس الأعلى على كافة وحدات إدارة الجمارك، بخاصةٍ الدور الرقابي الذي يشمل أشخاص وأعمال جميع الموظفين في إدارة الجمارك، وإن السلطة التي تملك حق الرقابة يستتبعها حكماً سلطة تأديبية، إذ لا معنى للرقابة من دون حق اتخاذ التدابير الرادعة، وإذا ربطنا هذه الفقرة بالمادة 11 من المرسوم الاشتراعي الرقم 123/59 التي منحت المجلس الأعلى صلاحيات الوزير، فهذا يعني أن هذا المجلس هو الرئيس الأعلى لجميع العاملين في إدارة الجمارك، وله حق التوجيه والتأديب ومراقبة القرارات المتخذة، ما يعني أن له الإمرة والمسؤولية الأولى في هذه الإدارة، وخصوصاً أن المادة 11 المذكورة جعلت المجلس الأعلى مسؤولاً أمام وزير المالية.
وأما مديرية الجمارك العامة، فهي لا شكّ مديرية عامة، أنيط بالمدير العام الدور التنفيذي وفقاً للأنظمة العامة، وأن المادة 393 من قانون الجمارك قد سمّته المدير العام بنصّه على أن: «تدّعي إدارة الجمارك ويُدّعى عليها أمام سائر المحاكم ودوائر التنفيذ، بشخص المدير العام أو من يمثله».
وإذا كان المشترع قد أنشأ مديرية عامة لإدارة الجمارك، لمؤازرة المجلس الأعلى للجمارك بسبب تشعب الصلاحيات والمهمات المنوطة بهذه الإدارة، إلا أن الواضح أن إرادة المشترع جعلت المديرية العامة المذكورة جهازاً إدارياً مرتبطاً بالمجلس الأعلى وليس سلطة مستقلة أو موازية له، وما يؤكد ذلك أن مهمة هذه المديرية الأساسية هي إعداد الملفات لكي يتخذ المجلس الأعلى القرارات المناسبة، حيث لم يشأ المشترع حصر صلاحيات المجلس الأعلى بالقضايا التنظيمية أو الرقابية، بل هو سلطة التقرير حتى في القضايا الفردية.
وهذا الأمر واضح في قانون الجمارك الصادر بموجب المرسوم الرقم 4461 تاريخ 15/12/2000، الذي وزّع الصلاحيات بصورة دقيقة وبيّن موقعية كلاً منهما.
واضحٌ مما تقدّم أن قانون الجمارك خصّ المجلس الأعلى بصلاحيات تنفيذية وخصّ مدير الجمارك العام بصلاحيات خاصة، ولهذا لا يصحّ القول إن المدير العام هو وحده السلطة التنفيذية في إطار إدارة الجمارك، بل إن المجلس الأعلى مخول بالتقرير التنفيذي، ولهذا المجلس أيضاً الرقابة على ممارسة مدير الجمارك العام ورؤساء الأقاليم لصلاحياتهم الخاصة.
وفي إطار العلاقة الوظيفية، ومعرفة من يملك سلطة رئاسية وحق الإمرة، فإن ذلك يمكن معرفته من خلال النظام الوظيفي في إدارة الجمارك.
إن هذه الإدارة تضمّ جهازين وظيفيين، الجهاز المدني وهم الموظفون المدنيون ويخضعون لنظام موظفي الدولة الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي 112 تاريخ 12/6/1959، والضابطة الجمركية، وهو جهاز شبه عسكري يخضع المنتسبون إليه لأحكام مشروع القانون المنفذ بالمرسوم الرقم 1802 تاريخ 27/2/1979 تنظيم الضابطة الجمركية.
بالنسبة إلى الموظفين المدنيين، فإن مرسوم تنظيم وزارة المالية قد رتّب فئاتهم وفق ترتيب الوظائف العامة، واعتبرهم جزءاً من هيكلية وزارة المالية، ما يجعلهم حكماً خاضعين لقانون الوظيفة العامة، ولا حاجة تبعاً لذلك إلى وضع نظام خاص لموظفي إدارة الجمارك، الذين تصدر مراسيم تعيينهم بناء على المرسوم الاشتراعي الرقم 112/59. وعليه، وحيث إن المادة 11 من المرسوم الاشتراعي الرقم 123/59 قد منحت المجلس الأعلى للجمارك صلاحيات الوزير في إدارة الجمارك، وإن المادة 16 منه أوجبت تعيين مدير الجمارك العام من بين موظفي ملاك إدارة الجمارك، ما يعني تلقائياً وبلا تردد أن المجلس الأعلى للجمارك هو الرئيس التسلسلي لمدير الجمارك العام، وتنتظم العلاقة بينهما وفق القواعد التي ترعى العلاقة بين الوزير والمدير العام في أي إدارة عامة.
بالنسبة إلى الضابطة الحمركية، حدّد مشروع القانون المنفذ بالمرسوم الرقم 1802 تاريخ 27/2/1979 أجهزة القيادة في الضابطة الجمركية وهي: المجلس الأعلى للجمارك، مدير الجمارك العام، رؤساء الأقاليم الجمركية.
إن هذا التسلسل في ذكر الأجهزة القيادية له دلالة على بيان التراتبية في العلاقة بينهم، والقول بغير ذلك يعني أن رؤساء الأقاليم هم بذات مرتبة المجلس الأعلى ومدير الجمارك العام.
وبخصوص أوضاع الضباط، فلقد ناطت المادة 48 بالمجلس الأعلى للجمارك الصلاحيات الممنوحة لقائد الجيش. واضح من نظام الضابطة الجمركية أن سلطة التقرير الأساسية هي للمجلس الأعلى للجمارك، أما مدير الجمارك العام فله صلاحيات تقريرية، لكن الدور الأغلب له هو اقتراح مشاريع القرارات التي يصدرها المجلس الأعلى للجمارك، ما يعطي دلالة واضحة على أن المشترع أراد التعاون بين المجلس والمدير العام مع إعطاء السلطة العليا للمجلس الأعلى للجمارك الذي يملك سلطة رئاسية واضحة على المدير العام.
إن قوة وموقعية المجلس الأعلى للجمارك على رأس مديرية الجمارك، واللتين يستمدها من القانون، دفعتا مجلس الخدمة المدنية إلى رفض إعطاء الوزير صلاحية التقرير في مسألة أدخلها المشترع ضمن صلاحية هذا المجلس (الرأي الرقم 3354 تاريخ 13/10/2011 الموجه الى وزارة المالية).
وفي رأيٍ ثانٍ، رأت هيئة مجلس الخدمة المدنية (الرأي الرقم 1632 تاريخ 27/7/2017) أن ما أناطه المشترع بالمجلس الأعلى للجمارك من إشراف ورقابة على إدارة الجمارك التي ينضوي تحتها المجلس الأعلى للجمارك ومديرية الجمارك العامة وهي صلة إشراف ورقابة على جميع الموظفين في الإدارة من صلاحيات عائدة للوزير، وردت في أحكام نظام الموظفين وفي قانون المحاسبة العمومية واعتبار المجلس المذكور مسؤولاً أمام الوزير بهذا الشأن، وما رتّب عليه من وجوب تقديم تقرير سنوي شامل للوزير عن حالة إدارة الجمارك والدور الذي حفظه له في اختيار المدير العام للجمارك حيث علّق هذا الاختيار على إنهاء يصدر عن المجلس، الأمر الذي يجعل من المجلس الأعلى للجمارك المرجع التسلسلي الأعلى في إدارة الجمارك بعد الوزير.
على ما تقدّم، سواء بالقانون المؤيّد بالمنطق أو بالرأي الاستشاري الحاسم، تصبح السلطة الرئاسية العليا في إدارة الجمارك هي للمجلس الأعلى للجمارك، الذي له بالقانون صلاحيات قائد الجيش، فيستعير منه: «الأمر لي».
(أستاذ جامعي)