سيطرت مفاهيم كـ «التكنولوجيا البيئية» او «التكنولوجيا الخضراء»، بشكل كبير، على مستوى العالم في الفترة الاخيرة. وبالغ البعض باعتبارها المنقذة من كل المشاكل الافات والكوارث التي تسببت بها الثورة الصناعية، باعتبارها في النهاية ثورة تقنية. إلا أن هذه «التكنولوجيا الخضراء» في النهاية، إذا ما تم تقييمها لناحية الفعالية القصوى، او لناحية اعتبارها «تكنولوجيا بديلة» كما يتم الادعاء، تظهر الكثير من الاوهام، حتى لا نقول بأنها جزء من الدعاية التجميلية لمشاكل التكنولوجية المسيطرة كأداة رئيسية من اقتصاد السوق، تماما كما تُغلّف السلع باغلفة براقة وجذابة للتغطية على خطورتها. فما هو حجم «التكنولوجيا الخضراء» في إنتاج الطاقة، قياسا بالوقود الأحفوري والنووي؟ وما هي حصة هذه التكنولوجيا في السياسات الحقيقية للطاقة للدول، الكبرى والصغرى منها، للعشرين سنة المقبلة، خصوصا بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس حول المناخ وتدشينها لمرحلة جديدة من استخراج الغاز والنفط الصخري؟!

وإذا كانت هذه حال التكنولوجيا المصنفة «بيئية»، ماذا عن بيئة التكنولوجيا؟ وماذا عن مطلب «نقل التكنولوجيا» الذي ما انفكت الدول النامية تطالب به في كل المؤتمرات الدولية حول المناخ، باعتباره «تعويضاً» على البلدان المتقدمة أن تدفعه للبلدان النامية لتسببها، عبر ثورتها الصناعية، بانبعاثات ضخمة ادت الى تغير المناخ العالمي والتسبب بكوارث، كلفة «التكيف» معها (وليس تجنبها) باتت تتجاوز اياً من المكتسبات الاقتصادية التي نعرفها او ننشدها في دولنا!
وإذ بينت الأيام ما كنا قد ذهبنا إليه بداية التسعينات، بأن الدول المتقدمة لن تقدّم هذه التقنيات مجانا الى الدول النامية، لا بل تسعى الى الاستثمار فيها بشكل او بآخر، إن من الناحية المالية او من الناحية المعنوية، لرفع اللوم عنها… ما الذي تم إعداده للمطالبة بهذه الحقوق؟ وكيف يمكن إخراج هذا الملف من قواعد حماية الملكية الفكرية، بدل القبول بما يسمى «هبات» من الدول المتقدمة، والتي تعني في الحصيلة فتح اسواق جديدة لهذه التقنيات، بدل أن تحصل عملية نقل عمودية للتكنولوجيا، أي مع نقل المعلومات من البحوث الاساسية الى البحوث التطبيقية، ومن هذه الاخيرة الى بحوث التطوير ومن التطوير الى الإنتاج… فتصبح الدول النامية منتجة للتكنولوجيا الضرورية ايضا.
وإذا كانت مصالح ومطامع الدول المتقدمة (وشركاتها) باتت معروفة، فما هي مصالح الدول النامية؟ أما حان الوقت لإعادة النظر بمطلب «نقل التكنولوجيا»؟
مناسبة طرح هذا الموضوع، ليس اكتشاف خدعة الرأسمال الغربي المستثمر، بل في كيفية التكيف مع هذه التكنولوجيا التي تطرح اليوم كمنقذ من الكثير من مشاكلنا المعقدة والخطيرة والتي اوصلتنا في اوضاعها المتدهورة الى حدود لم يعد سهلا العودة عنها.
واذا اخذنا تقنيات مثل حرق النفايات وتحويلها الى طاقة التي وضعت على نار حامية، او تحلية مياه البحر، المؤجل طرحها لحين إنضاج ظروف معينة، على سبيل المثال. وإذا راجعنا تاريخ انتشار هذه الفكرة وكيفية الترويج لها... نكتشف اننا امام صفقات جديدة، بدل أن نكون أمام حلول واقعية لمشاكلنا. وان ادارة شؤوننا الحياتية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية هي في أيدي سماسرة مشاريع وتقنيات وشركات، وليست في ايدي مفكرين اصحاب نظريات ومشاريع انقاذية حقيقية لمستقبل مجتمعاتنا وبيئتها الصالحة للعيش.
فلو كان لدينا مفكرون استراتيجيون في هذه القضايا، او كنا نريد أن نسمع رأيهم، لكنا عرفنا، قبل اللجوء الى خيار نقل التكنولوجيا، ان علينا أن نبحث في أسباب المشكلة التي نطلب استيراد تقنيات جديدة لحلها. ومن ثم نضع استراتيجية لكيفية التخفيف من حجمها اولا واختيار التقنيات المناسبة لما بقي منها. وحول السؤال: ما هي التقنية التي تعتبر «مناسبة»؟ علينا أن نبدأ في دراسة البيئة التقنية التي يتمتع بها لبنان والبيئة التقنية للبلدان التي أنتجت واستخدمت هذه التقنية والتي ستصدّرها لنا، ودراسة مدى التطابق او التقارب بين كل هذه المعطيات. فوجود تقنية «متقدمة» في بلد معين، قد لا تكون مناسبة في بلد آخر لا يتمتع ببيئة مشابهة. وقيمة «التقدم» ليست سببا كافيا لتبني الخيارات التقنية.
فلكل تقنية بيئتها العلمية والاكاديمية والصناعية مع كوكبة من المختبرات والمتخصصين… متوفرة ومدعومة من دول البلدان المصدرة وليست متوفرة في البلدان المستوردة. اضافة الى أن الآليات المؤسساتية والأطر القانونية والتنظيمية ليست هي نفسها. واستيرادها، مع الخدمة بعد البيع، او من دونها، يعني فتح مجال للاستغلال والارتهان التقني الذي سرعان ما يتحول الى اقتصادي وثقافي وسياسي.
كما علينا دراسة البيئة الاجتماعية لكل بلد ومدى تقبلها للتقنيات وجوهرها. فبلد مثل لبنان، يدفن موتاه تحت التراب ولا يحرقهم، يتقبل فكرة الطمر ويفضلها على الحرق. وهو عندما كان يفكر في الطاقة، كان ينظر الى الشمس (لتجفيف الفواكه) وقوة جريان المياه (لطحن القمح في الطاحونة) وقوة الرياح (في الملاحات) أكثر او قبل اي شيء آخر، بالاضافة الى الاستعانة بالحطب والفحم النباتي المتوفر والمستدام.
ثم هناك فروقات تتعلق بقيم حضارية يفترض اخذها في الاعتبار، بين حضارة تبنّت أو أنتجت مفاهيم مثل التنمية والتقدم والرفاهية… أنتجت بدورها الكثير من النفايات، وحضارة كانت قد أنتجت مفاهيم مثل الكفاية والرتي (بدل الرمي) والاقتصاد (بمعنى الحفظ والتموين)، والتي تنتج نفايات أقل وقابلة للمعالجة بسهولة أكبر، من دون الحاجة الى تقنيات معقدة ومكلفة وخطرة.
هل فكرنا في مثل هذه الخلفيات (وغيرها الكثير ايضا) قبل ان نتخذ خياراتنا التاريخية في اعتماد تقنيات، يمكن ان تلزمنا لربع قرن في اقل تقدرير وتدفع ثمنها الاجيال المقبلة؟! ام ان الحكومات التي لا تسأل عن مصالح وصحة ناخبيها الذين اوصلوا للتو ممثليها الى الندوة البرلمانية، لن تسأل عن مصالح الاجيال المقبلة ايضا؟!