ظن الرئيس سعد الحريري أن مكافحة الفساد هي «التراند»، فانضم إلى «الجوقة». صارت مكافحة الفساد أولى أولويات الحكومة المقبلة. عفا الله عما مضى إذن، لكن أول الغيث فيديو كوميدي يتحدث فيه عن المدير العام لهيئة أوجيرو عماد كريدية، الذي «يحقق حلم الرئيس رفيق الحريري». بدا ذلك بمثابة ضربة استباقية مباشرة للهيئات الرقابية. ما هي الرسالة التي يريد الحريري إيصالها للهيئات الرقابية التي تحقق بفساد أوجيرو، لا سيما منها التفتيش المركزي الذي يتبع إدارياً لرئاسة الحكومة؟ من يريد محاربة الفساد، خصوصاً إن كان رجل دولة، عليه أولاً أن يدرك أن ألف باء محاربة الفساد هي ترك الجهات الرقابية تقوم بعملها من دون أي ضغط أو حتى تهليل كما تفعل وسائل إعلام رئيس تيار المستقبل.

ولو كان الحريري حريصاً على الدولة ومؤسساتها أو حريصاً حقاً على مكافحة الفساد لما أعطى كريدية أو غيره صك براءة مسبق، وظيفته إحراج الهيئات الرقابية. هل ثمة من يتجرأ على القول بعد ذلك أن كريدية أخطأ؟
ثم لماذا إقحام الرئيس رفيق الحريري في قضية خاسرة؟ ما هو «حلم الشهيد» الذي حققه كريدية بهذه السرعة القياسية. على مدى سنة من عمر قيادته لأوجيرو، لم يظهر سوى التوظيف العشوائي وتعزيز حضور الشركات الخاصة في قلب الهيئة لمنافستها على زبائنها بأسعار أرخص وخدمات أفضل. أما خدمة «الفايبر أوبتيك» التي يفاخر كريدية بأنها انطلقت، داعياً إلى انتظار أربع سنوات جديدة لتعميمها، فتلك خدمة أطلقها الوزير السابق شربل نحاس عام 2009، فصار كل وزير يأتي بعده ينسب الإنجاز له، وإن من زوايا مختلفة. يدعو كريدية إلى مؤتمر صحافي ضخم. يعلن فيه أن لبنان صار على سكة «الفابير أوبتيك» ثم تكون النتيجة: لا إنجاز.
لماذا الآن؟ لماذا انتظر الحريري كل هذه المدة ليأتي بالرجل الذي يحقق حلم أبيه. لماذا لم يمط اللثام عن اكتشافه عام 2006 مثلاً، عندما قرر إعادة عبد المنعم يوسف إلى وظيفته؟ ولماذا أبقى مظلة الحماية فوق رأس يوسف لعشر سنوات، فيما كان يملك مفتاح تحقيق أحلام الرئيس الشهيد بيده منذ ذلك الوقت؟ هذه بلا شك صدمة كبيرة للحريريين. كان ساسة تيار المستقبل بكبيرهم وصغيرهم يعتبرون أن يوسف هو رجل الحريرية الأول وها هم يكتشفون خطأهم. سعد الحريري نفسه عندما تولى السلطة اعتبر يوسف، الذي «اكتشفه» والده عام 1995، خطاً أحمر في صراعاته مع الوزراء المتعاقبين. هو الذي لطالما وصفه بـ «the telecom strong man» (رجل اﻻتصاﻻت القوي). الحريري أيضاً اكتشف خطأه.
إذن، هي ليست قضية أحلام تتحقق. هي محاولة للرد على ما يصفه «الهجوم المنظم» على رجله الجديد في قطاع الاتصالات. هو للمناسبة ليس رجله الأول حتى. نبيل يموت يسبقه بأشواط ويُحكى أن كلمته لا تصير اثنتين في الهيئة. هو وزير اتصالات الظل... وربما الوزير الفعلي قريباً.
ليس الدفاع عن كريدية سوى عيّنة بسيطة عن رؤية سعد الحريري لمكافحة الفساد. الصفقات التي مررت في حكومته الماضية لا يمكن إحصاؤها. في كل قطاع ثمة شركة متعهدة يكون أحد أصحابها مقرباً من الحريري. جهاد العرب وهشام عيتاني مثالان حيّان. الاسمان يسبقان صاحبيهما إلى أي مشروع حتى لو لم يطرح بعد. بعد «سيدر» تحمّس عدد من أصحاب الشركات للاستثمار في مطار بيروت، في إطار الشراكة بين القطاعين الخاص والعام. قيل لهم في مجلس الإنماء والإعمار: لا تتعذبوا، فالمرحلة الأولى ستكون من نصيب العرب.
مجلس الإنماء والإعمار بحد ذاته هو واحد من «إنجازات» رفيق الحريري. الدولة بمفهوم الحريري ليست سوى إدارات رديفة تأكل الإدارات الرسمية التي لا يؤمن الحريري بها ولا ابنه. تحقق ذلك الحلم في الكثير من القطاعات، إلا في الاتصالات، حيث ظلت «إتصاﻻت لبنان» حلماً لم يتحقق.
النكتة الفعلية أن البعض لم يجد للدفاع عن أوجيرو سوى اتهام الآخرين بالفساد أو تنفيذهم لحملات سياسية. ظنوا أنهم بذلك يبعدون التهمة عن أسيادهم. رحم الله رفيق الحريري، الذي كان أول من منهج مفهوم شراء الذمم. أنشأ طبقة كاملة من السياسيين والصحافيين المرتهنين، الذين لا يزال معظمهم حاضراً في يومياتنا ويظن أن الجميع على شاكلتهم.