لم تكن المواقف التي أدلى بها الرئيس السوري بشار الأسد، الأسبوع الفائت، مجرد تعبير عن حقيقة الموقف الرسمي من مجمل الطروحات والتحديات التي تواجهها الدولة السورية في هذه المرحلة، بل شكلت أيضاً ــــ في جانب منها ـــــ رداً عملياً على الرسائل والتهديدات المتواصلة التي يطلقها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وطاقمه السياسي والأمني له شخصياً، وللنظام في دمشق، وتحديداً للمؤسسة العسكرية. فقد أتى تأكيد الرئيس الأسد ـــــ في مقابلته مع قناة «العالم» الإيرانية ــــ على بقاء حزب الله في سوريا، لفترة طويلة، وعدم وجود مانع لطلب بناء قواعد عسكرية إيرانية في سوريا، في مقابل إعلان تل أبيب المتكرر أن هدفها إخراج إيران (وحلفائها) من سوريا.

لتحقيق هذا الهدف وجَّه نتنياهو سلسلة تهديدات ورسائل متكررة، كجزء من استراتيجية انتهجتها إسرائيل في ضوء فشل الرهان على الجماعات الإرهابية، وعودة سيطرة الدولة على أغلب الأراضي السورية، بهدف مواجهة تداعيات انتصار محور المقاومة على الإرهاب في سوريا. ويرتكز الرهان الإسرائيلي على محاولة الاستفراد بأطراف محور المقاومة في سوريا، كل على حدة، بعدما أنتج الاتحاد في الميدان انتصارات تاريخية واستراتيجية في المعركة ضد الإرهاب. لهذه الغاية، تعمل تل أبيب على محاولة فرض معادلة تستهدف وضع الرئيس الأسد بين خيارين، إما بقاؤه على رأس النظام، أو بقاء إيران وحلفائها في الساحة السورية. هذه «المعادلة» كرر نتنياهو الحديث عنها في أكثر من مناسبة، كان آخرها خلال جولته الأخيرة في أوروبا، وأمام مركز أبحاث «Policy Exchange» في لندن حيث قال: «الرئيس السوري بشار الأسد ليس محصناً أكثر (من ذي قبل)، ولا نظامه أيضاً». تدرك تل أبيب أن الوجود العسكري الإيراني في سوريا، هو وجود محدود، وتراهن على أنها بتهديداتها تستطيع تحييد الدولة السورية وهو ما سيبقي إيران وقوى أخرى في سوريا مكشوفة: «إذا هاجم قواتنا، فسنضرب قواته ويجب على الأسد أن يأخذ ذلك بجدية». ومما يلفت الأنظار أن إسرائيل لجأت إلى هذا الخيار بعدما فشل المعسكر الغربي في التفرد بالدولة السورية وجيشها، وهو ما تمت مواجهته عبر تدخل حزب الله وإيران وبقية أطراف محور المقاومة وروسيا في المعركة الدائرة ضد الإرهاب في سوريا.
تحاول تل أبيب بتهديداتها أن تقدم وجود قوى محور المقاومة الداعم للخيار الاستراتيجي للدولة السورية، كما لو أنه مصدر تهديد لها. وتقدم هي في المقابل ضمانات أنها لن تمس سوريا في حال انسحبت هذه القوى! وعلى هذه الخلفية تهول على كافة الأطراف عبر ترداد مقولة باتت مستهلكة في الساحتين السياسية والإعلامية، وكررها نتنياهو قبل أيام في لندن: «هناك معادلة جديدة في سوريا يجب أن تفهم، وهي أن إسرائيل لن تتحمل تمركزاً إيرانياً»، وهو أمر مفهوم في خلفياته ورهاناته وأهدافه. لكن القيادة السورية وبقية أطراف محور المقاومة لديهم تجربة طويلة مع «عدم التحمّل» الإسرائيلي، بدءاً من لبنان حيث لم تكن تتحمل وجود حزب الله ولا تطور قدراته. وشنت العديد من العمليات العسكرية بهدف استئصاله وإضعافه. ولم تكن تتحمل منذ بدء الأحداث السورية منذ عام 2011، بقاء الرئيس الأسد على رأس الدولة السورية، بما يجسده من ثبات موقع ودور سوريا في معادلة الصراع ضد إسرائيل. والأمر نفسه ينسحب على المقاومة في داخل فلسطين.
في مقابل الرسائل الإسرائيلية على لسان أعلى رأس الهرم السياسي في تل أبيب، أتت مواقف الرئيس الأسد بما يبدد رهاناتها على تراجع أو ضعف أو تقدير خاطئ في القيادة السورية، على قاعدة «حفظ رأسها مقابل رأس المقاومة والتخلي عن فلسطين». ولدى التدقيق في الحرب التي خاضتها سوريا خلال السنوات الماضية، يلاحظ أن داعمي الجماعات الإرهابية كانوا يستندون إلى الرهان ذاته، وهو ما يظهر جلياً في العروض التي كشف عنها الرئيس الأسد مرة أخرى، عن التخلي عن العلاقة مع أطراف محور المقاومة مقابل وقف الحرب ضد سوريا. وهكذا، يتضح في شكل جلي أنه ليست هناك خيارات بديلة أمام سوريا وبقية أطراف محور المقاومة، بما يحافظ على موقعها في معادلة الصراع من أجل فلسطين، سوى تمتين هذا التحالف وتعزيز قدراته والتكامل بين أطرافه.
ومن أكثر ما يفترض أنه يحضر في تل أبيب، في ضوء هذه المواقف الحاسمة، وحدة صف محور المقاومة في مقابل استراتيجية التفكيك والاستفراد الإسرائيلية. ففي مقابل التحذير الإسرائيلي من التمركز الإيراني، اعتبر الرئيس الأسد أنه «لو وجدنا بالتعاون أو بالتنسيق أو بالحوار مع الإيرانيين أن هناك حاجة لوجود قواعد عسكرية إيرانية، فلن نتردد، ولكن حالياً الدعم الإيراني في شكله الحالي هو جيد وفعال». وفيما يتعلق بحزب الله وبقية القوى الحليفة لإيران، شدد الرئيس الأسد على أن «المعركة طويلة والحاجة لهذه القوى العسكرية ستستمر لفترة طويلة». بل ذهب إلى حد التعبير الصريح عن حجم دور حزب الله في المعركة القائمة في سوريا ومعها، عندما اعتبر أن «الحلف الثلاثي، يمكن اعتباره رباعياً بدخول حزب الله، ولو أننا نتحدث عن حلف ثلاثي كدول، ولكن حزب الله عنصر أساسي في هذه الحرب».
بعد المواقف المباشرة والصريحة والشجاعة للرئيس الأسد، بات صانع القرار في تل أبيب، أمام مواقف مُحدَّدة في مقابل فرضيات ورهانات يستند إليها في خياراته. وهو ما سيُعزّز لدى المؤسسة الإسرائيلية ما قاله نتنياهو قبل أسبوع، أمام جلسة الحكومة، أن إخراج إيران من سوريا هو «مسار طويل». بل سيرفع من مستوى المخاطرة لدى تل أبيب في الطريق إلى الأهداف التي تسعى لتحقيقها، ويؤدي إلى تقليص احتمالات تحققها، فيما يبدو واضحاً أن تلك الاحتمالات كانت مرتفعة جداً في وعي وحسابات صناع القرار السياسي والأمني، في بداية هذا المسار.
في المضمون قد تكون مواقف الرئيس الأسد متوقعة كونها الأكثر ملاءمة لخيارات سوريا الاستراتيجية، وبهذا المعنى قد تكون تقليدية. لكنها في السياق والتوقيت، تشكل رسائل مدوية تحضر على طاولة القرار في تل أبيب. وتشكل مواقف الأسد مع مواقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله (لو اجتمع العالم كله ليفرض علينا أن نخرج من سوريا، فلا يستطيع أن يخرجنا من سوريا) تتويجاً سياسياً للرسائل الميدانية في «ليلة الصواريخ»، وإطاراً يحكم أداء محور المقاومة في المعركة الجديدة التي اجترحتها إسرائيل كخيار بديل عن هزيمة خياراتها التي ارتكزت على الرهان على الجماعات الإرهابية.