ما أن يلفظ الظلام آخر أنفاسه، حتى يسارع بنجامين لادرا إلى توضيب خيمته الصغيرة. وجبة صباحية معلّبة ينهيها على عجل، قبل أن يستلّ علم فلسطين من حقيبته، ويطوّق عنقه بكوفية. طقس اعتاده ابن غوتنبرغ (غربي السويد) منذ بدأ مسيره اليومي في الخامس من آب المنصرم، وعبر خلاله ألمانيا والنمسا وسلوفينيا وتركيا وقبرص، وصولاً الى لبنان، في رحلة استثنائية، وجهتها فلسطين، سيراً على الأقدام.

«قرأت كثيرا عن إجراءات الاحتلال التعسفية بحق الفلسطينيين، إلا أن ما شاهدته على أرض الواقع كان صادماً. لذلك أردت فعل أي شيء لأقدم للناس فرصة التعرف على الحياة الحقيقية التي يعيشها الفلسطينيون».
الناشط الحقوقيّ السويدي حط في لبنان نهار الجمعة الماضي. يصعب على من يصادف لادرا للمرة الأولى، أن يستوعب قصة «الرحالة العشريني». لا معالم إعياء أو تعب على الشاب بعد مسير 4800 كيلومتر في عشرة أشهر، أمضاها منفرداً في الشوارع والأنفاق والنزل الرخيصة، باستثناء لقاءاته المتقطعة بالجاليات الفلسطينية والمحاضرات التعريفية حول الحق الفلسطيني التي أجراها على طول الطريق. يروي حكاية انخراطه بالشأن الفلسطيني بحماسة. طالب العلاقات الدولية دفعته قراءاته المكثفة إلى تنظيم فعاليات تضامنية مع الأسرى الفلسطينيين والمسجد الأقصى، بعد لقائه عدداً من الفلسطينيين الوافدين من مخيم اليرموك إلى السويد إبان موجة اللجوء السوري واستكشافه لمعاناتهم. لم يأت قراره الارتحال إلى الأرض المنكوبة في غضون يوم وليلة. زيارته الوجيزة (لثلاثة أسابيع) إلى القدس والخليل ونابلس وبيت لحم، في نيسان من العام الماضي، ستحوّر مسار حياته بشكل جذري. بعدها، زهد عن شغفه الموسيقي واستقال من مهنته في الصليب الأحمر السويدي، لصالح الأهم: القضية الفلسطينية. سخّر الشاب ذو الأصول اليهودية كل ما ادخره لنفقات مغامرته الفريدة.

زيارة وجيزة إلى فلسطين غيّرت مسار حياته بشكل جذري


واقع القاطنين في المخيمات الفلسطينية في لبنان لم يكن أقل هولاً على الناشط السويدي من ضيق أحوال أبناء وطنهم الأم. هنا، على عكس غالبية محطات اللجوء الفلسطيني التي مرّ بها، تتبدى عوامل أشد إيلاماً: خناق محكم على هؤلاء المقصيين عن بلادهم منذ سبعين عاماً، أدركه السويدي خلال زياراته إلى مخيمات لبنان: «يعيش اللاجئون الفلسطينيون هنا تحت سيطرة التهميش والعنصرية والفقر المدقع، فيما يحرمهم القانون اللبناني من حق العمل والرعاية الصحية الجيدة، ما يزيد من حدة الحرمان وتفلت الأمن. لا أفهم سبب ذلك حقيقةً».
يتوقع لادرا أن دخوله الأراضي المحتلة من الأردن لن يكون أمراً سهلاً، خصوصاً بعدما ضُيّق عليه وأُوقف في براغ من قبل رجال أمن السفارة الاسرائيلية هناك: «احتفظوا بصورة لجواز سفري. لم يبدوا سعداء على الإطلاق»، يقولها ساخراً.
يمتلك لادرا مفاهيمه للمقاومة المدنية «التي أعتقد أنها أعظم شأنا وقوة من أي مقاومة عسكرية، إذ عبرها نمتلك فرصة أكبر في تحقيق سلام مستديم مستقبَلاً». بغضّ النظر عن مدى صحّة هذه المقاربة، تبقى الخطوة جديرة بالاحترام. إذ أن سويدياً في مقتبل العمر يذرع العالم ليذكر بمأساة الشعب الفلسطيني، فيما يطأطئ معظم أهل القضية رؤوسهم للمحتل يومياً.