مليون وستة آلاف و927 لاجئاً في لبنان مُسجّلون لدى المُفوّضية السامية للأمم المتحدّة لشؤون اللاجئين. نحو 98 في المئة منهم سوريون، فيما يبلغ عدد اللاجئين غير السوريين نحو 20 ألفاً، غالبيتهم عراقيون. في اليوم العالمي للاجئين، قالت مُمثلة المُفوضية ميراي جيرار لـ«الأخبار» إنّ 90 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان يريدون العودة إلى بلدهم، وإنّ وضع هؤلاء يزداد سوءاً يوماً بعد يوم. وأكّدت أن المُفوّضية لا تُقرّر عن اللاجئين، ولا تُشجّع على إرساء المخيمات في لبنان، «لأنّ المُخيّم لا يحفظ كرامة اللاجئ». جيرار أبدت تفهّمها لمخاوف السلطات اللبنانية من تكرار تجربة اللجوء الفلسطيني، لكنها شدّدت على أن اللجوء السوري يختلف عن اللجوء الفلسطيني، وأنّ لكلّ لجوء خصوصيته، وإن كانت المعاناة واحدة. وفي ما يأتي نص اللقاء

سيأتي يوم يعود فيه أغلبية اللاجئين الى بلدانهم(مروان بوحيدر)

كم مضى على عُمر المفوضية في لبنان؟
نحن موجودون في لبنان منذ عام 1964. عاصرنا الكثير من المراحل التي مر بها هذا البلد منذ ذاك الوقت، بما فيها الحرب الأهلية وغيرها. لذلك، نحن لا نتعامل مع اللاجئين السوريين فقط بل مع اللاجئين من مختلف الجنسيات العراقية وغيرها من الجنسيات ممّن لجأوا إلى لبنان خلال هذه السنوات.

كيف تصفون تعاونكم مع الحكومة اللبنانية خلال السنوات المنصرمة؟ وكيف تنظرون إلى «سلوك» الحكومة اللبنانية تجاه اللاجئين عموماً؟
وجود المفوضية في لبنان طوال هذه السنوات دليل على أنّ هناك تاريخاً من التعاون بين السلطة اللبنانية والمفوضية. أستطيع القول إن هناك نوعاً من التكافل والتضامن بين المفوضية والسلطة اللبنانية على صعيد البرامج الإنسانية التي نفذت في السنوات الماضية بين مختلف الوزارات سواء على الصعيد الصحي أو التعليمي. الاستجابة كانت فعالة خصوصاً في ظلّ الإمكانات المحدودة نتيجة التمويل غير الكافي.

ما هي أبرز المعوّقات والعراقيل التي تواجهونها في لبنان؟
العائق الأبرز يتمثل، أولاً، بحجم الأزمات التي يواجهها لبنان نفسه إضافة إلى تداعيات الأزمات المحيطة به. في حالة اللجوء السوري، التحدّي كان يتعلّق بأن الأزمة كانت غير مسبوقة لجهة ضخامة أعداد السوريين الذين لجأوا إلى لبنان وباتوا يشكلون جزءاً مهماً من سكان البلد. لذلك كانت نقاشات الدول المانحة المتعلّقة بتوفير الدعم للاجئين تتمحور دائماً حول كل من لبنان والأردن، نظراً إلى تشابه الخصائص بين البلدين وتشابه تداعيات اللجوء عليهما. هناك، أيضاً، عائق التمويل نتيجة ازدياد أعداد اللاجئين بفعل الأزمات المُستمرة. حصل لبنان على دعم كبير من الجهات المانحة، إلا أنّ هذا التمويل بقي قاصراً عن تغطية كل ما يحتاجه اللاجئون وسكان المجتمع المُضيف المتضررون بدورهم من اللجوء. لذلك نسعى إلى تأمين المُساعدات إلى العدد الأقصى من اللاجئين.

منذ بداية الأزمة، انتهجت الحكومة اللبنانية سياسة «اللاسياسة» تجاه اللاجئين السوريين لجهة تنظيم دخولهم وفرض معايير واضحة كما تفعل بقية الحكومات. ما رأيكم بذلك؟
على رغم أنّ لبنان لا ينفك عن التذكير بأنه لم يوقع اتفاقية عام 1951 المتعلّقة باللاجئين، إلّا أن السلطات اللبنانية أثبتت أنها تحترم مبدأ حماية اللاجئين التي تقضي بعدم صد الأبواب أمام من يحتاجون إلى اللوذ بلبنان. هذا الأمر، برأينا، عمل إنساني وجيّد. صحيح أنه لم تكن هناك سياسة واضحة على الصعيد الوطني، إلا أنّه كان هناك تواصل دائم مع الجهات المعنية في الحكومة. وكل الوزارات كانت تعلم ما هي الخطوات التي يجب أن تقوم بها للاستجابة للأزمة. لم تكن هناك سياسة، لكن الاستجابة للتحديات كانت موجودة.

كيف أثّر اللجوء السوري على طبيعة عملكم في لبنان؟
كما في كل أزمة، تسعى المفوضية إلى التعلّم من أزمات اللجوء التي تتعامل معها. حجم الأزمة السورية كان كبيراً في لبنان، وكان علينا هذه المرة البحث خارج الصندوق في الوسائل والآليات التي نستخدمها للمعالجة. من هنا، كان علينا أحياناً ابتداع حلول مبتكرة واستخدام وسائل تقنية وعملية لتدارك حجم الأزمة بما فيها التعامل مع مختلف الجهات المحلية من بلديات وغيرها. في ما يتعلّق بالأزمة السورية، كان الأمر يتمحور دائماً حول كيفية تقديم مساعدات لأكبر عدد من اللاجئين والمجتمعات المضيفة في ظل محدودية الموارد.

هل تتفهّمون مخاوف السلطات اللبنانية من توطين اللاجئين السوريين استناداً إلى تجربة اللجوء الفلسطيني؟
بالطبع نتفهّم مخاوف السلطات اللبنانية من هاجس التوطين. لكن تنبغي الإشارة إلى أنّ لكلّ لجوء خصوصيته، وأنّ الأمرين مختلفان على رغم أن المعاناة واحدة. جميعنا يعلم أنّ الوضع الفلسطيني معقّد وصعب، فيما عمر الأزمة السورية لا يزال قصيراً وذاكرة اللاجئين السوريين لا تزال مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببلدهم، خلافاً للجوء الفلسطيني. سوريا بلد كبير، لن يختفي عن الخريطة. ودور المفوضية يدور حول إيجاد حلول لهؤلاء اللاجئين.
نتفهّم مخاوف لبنان من التوطين، لكن سوريا بلد كبير ولن يختفي عن الخريطة


بعد سبع سنوات على الأزمة السورية، كيف تصفون وضع اللاجئين السوريين حالياً؟
للأسف، الوضع يزداد تدهورا. عام 2014، كانت نسبة اللاجئين السوريين الذين يرزحون تحت خط الفقر تُقدّر بنحو 25 في المئة، في حين وصلت هذه النسبة الآن إلى نحو 75 في المئة. اللاجئون هنا باتوا يائسين ويرزحون تحت أعباء مادية عالية جداً. لذلك نجد أن غالبية هؤلاء يريدون العودة إلى بلدانهم. لكن السبب الاقتصادي ليس السبب الأبرز لعودتهم إلى بلدانهم، إنّما الأمر يتعلّق بمجموعة من العوامل المتضافرة. عام 2015، كان عدد اللاجئين السوريين يقدر بنحو مليون و200 ألف لاجئ في حين أنّ عددهم حالياً يبلغ نحو 986 ألفاً و942 لاجئاً، وقد سجّلت مغادرة نحو 11 ألفاً إلى سوريا العام الماضي. لكنّ انخفاض أعدادهم لا يعني أن الوضع بات أفضل.

ماذا عن بقية اللاجئين الذين تتعامل معهم المفوّضية؟ هل هناك أولوية لجنسيات معينة؟
هناك نحو 19 ألفاً و985 لاجئاً غير سوري مُسجّلون لدى المُفوّضية، بينهم نحو 16 ألفاً و662 عراقياً. المفوضية لا تُميّز أبداً بين اللاجئين ولا تعطي أحدهم الأفضلية. ننظر إلى اللاجئ كإنسان ونعمل معه على هذا الأساس.

تسلّمتم منذ أسبوعين رسالة من وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل تتعلّق بطلب لبنان تغيير مقاربتكم لموضوع اللجوء السوري، واتهمتكم الوزارة بالتهويل على اللاجئين السوريين وحثّهم على عدم العودة إلى الأماكن الآمنة في بلدانهم.
عمل المفوضية هو مساعدة اللاجئين وإيجاد حلول لهم. إذا أفاد اللاجئ أنه يريد العودة إلى منزله وبلده لا نقوم بمعارضته البتّة. هذا قراره. نحن نقوم بدراسة الخيارات المتاحة أمامنا لمساعدته. في تعريف عمل المفوضية، نحن لا نقرّر عن اللاجئ. جلّ ما نقوم به هو مقابلته من أجل سماعه لمعرفة ماذا يمكننا أن نقدم مساعدة له خلال رحلة عودته. وعندما نقابله، نسعى إلى فهم أسباب عودته. عندما نفهم هذه الأسباب، نستطيع حينها التواصل مع المعنيين لإزالة العوائق التي تمنع عودتهم. نحو 90 في المئة من اللاجئين السوريين قالوا إنهم يريدون العودة إلى بلدانهم. ونحن نسعى إلى فهم أسباب عودتهم لنعي ما هي العقبات. هذه العوائق لا تتعلّق دائماً بالسلام. السلام مهم طبعاً لكنّ هناك بعض الأمور العملية الحياتية التي تعني الراغبين بالعودة، كإمكانية مواصلة تعليم أبنائهم وحيازتهم لجميع الأوراق الثبوتية التي تسمح لهم بذلك، وهذا ينطبق على بقية الأمور. وأود أن أتوجّه إلى الرأي العام اللبناني بالرسالة نفسها التي أوجّهها دائماً إلى اللاجئين، وهي أنّه سيأتي يوم ستعود فيه غالبية اللاجئين إلى بلدانهم. لذلك، الأمر يدور حول ضرورة مساندتهم ومساعدتهم من أجل البقاء على قيد الحياة. ما نقوم به هو تجنيب هؤلاء الموت ليس أكثر. لذلك علينا إبقاء التضامن والتعاون قائماً بين البلد المضيف واللاجئين.



نزوح شخص كل ثانيتين
وصل عدد اللاجئين والنازحين حول العالم عام 2017 إلى ما يُساوي عدد سكان تايلاند تقريباً (نحو 68.5 مليون نسمة)، بحسب تقرير «الاتجاهات العالمية» الصادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وأشار التقرير إلى أنّ هناك شخصاً واحداً مهجّراً من بين كل 110 أشخاص، لافتاً إلى نزوح حوالى 44 ألفاً و500 شخص كل يوم، بمعدّل شخص كل ثانيتين.
وسجّل عدد اللاجئين الفارّين من الصراع والاضطهاد ارتفاعاً بزيادة 2.9 مليون شخص ليصل إلى نحو 25.4 مليون شخص، «وهي أكبر زيادة شهدتها المفوضية خلال عام واحد». وارتفع عدد طالبي اللجوء الذين كانوا لا يزالون ينتظرون نتائج طلباتهم للحصول على صفة اللجوء حتى 31 كانون الأول عام 2017 إلى نحو 300 ألف.
وأشار التقرير إلى أن استمرار الحروب وأعمال العنف والاضطهاد تسبّب بتسجيل مستويات مرتفعة جديدة من النزوح القسري عالمياً للعام الخامس على التوالي، «وذلك نتيجة للأزمة في جمهورية الكونغو الديموقراطية والحرب في جنوب السودان وفرار مئات الآلاف من اللاجئين الروهينغا من ميانمار إلى بنغلاديش»، مُشيراً إلى أنّ «البلدان النامية هي الأكثر تأثراً في شكل ساحق».