ما الذي حصل في موسكو، وكيف صبّ الصوت اللبناني في خانة الملف الأميركي المشترك (الولايات المتحدة والمكسيك وكندا) على حساب المغرب لاستضافة كأس العالم 2026؟ هذا هو السؤال الأساسي. المعطيات تقول إن وفد لبنان إلى العاصمة الروسية تألف من نائب رئيس الاتحاد ريمون سمعان، عضو اللجنة التنفيذية سمعان الدويهي، والأمين العام جهاد الشحف. الثلاثي المذكور حضر الفعاليات التي أُقيمت على هامش كونغرس «الفيفا»، حيث نشط القيّمون على الملفين في عرض ما يحملانه في ملف الاستضافة للتأثير في المصوّتين، وهي مسألة توقف عندها وفد لبنان، قبل تغيير رأيه، انطلاقاً من نقاطٍ عدة، اتخذ على إثرها قراراً بالتصويت للملف المشترك عقب نقاشٍ «داخلي»، حصل في موسكو. أما في بيروت، فقد كان القرار متخذاً بالتصويت «سلفاً» لمصلحة المغربي. التغير في الموقف اللبناني حدث هناك في موسكو. بحسب ما يقول مشاركون في الوفد الذي تولى عملية التصويت، فإن الدويهي هو الذي «كبس الزر»، وتولى التصويت، بدلاً من سمعان الذي كان من المفترض أن يقوم بالمهمة، لكنه عزف عن هذه الخطوة منعاً للإحراج. ويشرح المصدر أن الاتفاق كان بين أعضاء الوفد من دون العودة إلى الاتحاد المحلي أو إخطار رئيسه بهذا الأمر، وذلك «بسبب ضيق الوقت»، وفي خضمّ تسارع الأحداث خلال الجمعية العمومية، مضيفاً: «أسباب عدة، وهي رياضية ــــ علمية أقنعت الوفد اللبناني بضرورة التصويت للملف المشترك، إذ يكفي أن تمنح لجنة التقييم المكلّفة من قبل «الفيفا» علامة 4/5 للملف المشترك مقابل 2.7/5 للملف المغربي». ولكن هذا «التسويغ الرياضي» يتجاهل حقائق أخرى، أهمها تجاهل الدور السعودي في «استقطاب» أصوات لمصلحة الملف الأميركي المشترك ضدّ الملف المغربي. فمما لا شك فيه، أن ارتباط لبنان بالاتحاد الآسيوي لكرة القدم الذي يستفيد من برامج دعمٍ كثيرة منه والممثّل في لجنته التنفيذية بالرئيس هاشم حيدر، لعب دوراً في ذهاب قرار الوفد في هذا الاتجاه، وهي نقطة مهمة برأي المصوتين لمصلحة أميركا، لكون الآسيويين هم من يصوّتون في الاستحقاقات القارية التي قد يحتاج فيها لبنان إلى أصواتٍ في أي انتخابات أو طلب استضافة.

في هذا الاتجاه صبّ غالبية عرب آسيا، حيث ذهبت 7 أصوات للملف المشترك مقابل 5 للمغرب. مع تصويت لبنان والعراق والكويت إلى جانب السعودية، سجلت الأخيرة نقطةً في صراعها السياسي مع قطر التي احتضنت العراق مثلاً لفترةٍ طويلة حيث تحوّلت الدوحة إلى مكانٍ أساسي لمعسكرات منتخباتها وملاعبها لمباريات أنديتها في عزّ الأزمة التي عرفها العراقيون، ولكن السعودية نجحت في استقطاب العراق، كما نجحت في استقطاب لبنان. الفارق هو أن الوفد اللبناني «يتذرع» بأسباب رياضية، بينما لا يخفى في الأروقة العراقية أن قرار العراقيين بالوقوف في الجانب السعودي، كان «سياسياً». لبنان استفاد أكثر من مرة من الاستضافات القطرية لمنتخباته بحكم العلاقات الطيّبة بين الاتحادين، لكن صوته صبّ في اتجاه معاكس. وهذه مفارقة أيضاً.
وبعيداً من كل هذه المسائل الخارجية، برز اعتبار وزارة الشباب والرياضة في بيانها أن ما حصل كان خلافاً لتوجيه واضح، ولأنها أرسلت توجيهاً بشأن التصويت، فكان «استدعاء» الاتحاد وطلب الوزير أمس من أعضائه اتخاذ إجراء صريح واتخاذ تدابير، على اعتبار أن أحدهم يجب أن يتحمّل المسؤولية. وفي هذه «الخطوة الضاغطة» خطورة إلى حدٍّ ما، إذ كما هو معلوم، إن أي تدخل سياسي في شؤون اتحادٍ وطني يؤدي إلى قرار إيقاف الاتحاد من قبل «الفيفا»، الذي بحسب معلومات خاصة لـ«الأخبار» كان رئيسه السويسري جياني إنفانتينو (الذي «يمون» على لبنان) يميل إلى الملف المشترك. اعتبارات أخرى ذكرها أعضاء الوفد في اجتماعهم مع وزير الشباب والرياضة محمد فنيش أمس، حيث حضر إلى الوزارة رئيس الاتحاد هاشم حيدر، ونائبه ريمون سمعان وأعضاء اللجنة التنفيذية سمعان الدويهي، موسى مكي، وائل شهيب، والأمين العام للاتحاد جهاد الشحف. كذلك حضر الاجتماع الذي استمرّ لساعةٍ كاملة المدير العام لوزارة الشباب والرياضة زيد خيامي، ومستشار الوزير علي فواز. يبقى أن المخرج الوحيد، الذي كان ممكناً، حسب مصدر آخر، هو أن لا يصوّت اللبنانيون إطلاقاً، لا للمغرب، ولا لأميركا، كما فعلت إيران. اللافت أن الاتحاد الذي يحمّله البعض المسؤولية جماعياً لا فردياً بشأن ما حصل، بدا في خندقٍ واحد خلال لقائه مع الوزير، وذلك بعد اقتناعه بتوضيحات وفده، الذي كان رئيسه واضحاً بأن أحداً لم يتصل به من أي وزارة، طالباً التصويت للمغرب، بل إن قرار اتحاده كان قد اتخذ ضمن هذا السياق، علماً أن قلّة تعرف بأنه خلال انتخابات الاتحاد العربي الأخيرة لم يصوّت المغرب لمصلحة عضو الاتحاد اللبناني محمود الربعة، لكن هذا الأمر لم يسقط من توجّه الاتحاد لدعم الملف المغربي. وهذه وجهة نظر تتجاهل «سير الأحداث»، بحيث كان الاتفاق في بيروت أن يجري التصويت للمغرب، وفي موسكو صوت الوفد اللبناني لأميركا.
من الواضح أن الوزارة تريد موقفاً من الاتحاد، ولا تريد إحراجه أمام الفيفا، فما كان من سمعان إلا أن أبلغ الوزير فنيش بأنه «جاهز لتقديم استقالته»، كما نقل حاضرون للاجتماع، ليردّ الأخير بأن «هذه المسألة هي شأن اتحادي داخلي». حتى هذه اللحظة، ترى وزارة الشباب والرياضة أن ثمة خطأً حدث بمنح الملف الأميركي المشترك صوتاً لبنانياً، وفي خدمة «الاستقطاب السعودي»، لكنها تريد «كبش فداء» من الاتحاد، لكي لا يحسب موقف الوزارة نفسها تدخلاً سياسياً في كرة القدم، وهو أمر قد يكون عقاب الفيفا عليه شديداً.