على قوى الأمن الداخلي، كمؤسسة، أن تُخطِر وزارة الداخليّة بأنّ الشعب يُريد أن «يُحشّش». على الوزارة أن تُحيط مجلس الوزراء علماً بذلك. على السُلطة في لبنان أن تُبادر، سريعاً، لإجراء استفتاء شعبي بطريقة ما. استفتاء على تشريع «التحشيش»... لا مجرّد تشريع زراعة النبتة، إيّاها، لغايات طبيّة وصناعيّة وما شاكل مِن «لَوْفكات». هو التحشيش، هكذا بلا مواربة، ما يُريده الشعب (أقلّه، كثير مِن الشعب). هذا ما تقوله مئات التعليقات على تغريدة «صاروخيّة» لقوى الأمن الداخلي، كانت الغاية مِنها، بالأصل، تظهير «إنجازها» في ضبط سيجارة حشيش وورق لفّ!

مئات التعليقات مِن مواطنين، أكثرهم بأسماء واضحة ووجوه مكشوفة، نجحت في «بهدلة» المؤسسة الأمنيّة على صفحتها الإلكترونيّة. سخروا مِن الصورة المنشورة، الصورة الفظيعة، التي تُظهر سيجارة ملفوفة بطريقة أنيقة، وإلى جانبها دفتر ورق لفّ (ليس ورق الشام الشهير) مع لفافة نايلون صغيرة. هذا ما ضُبط في حوزة ثلاثة شبّان، عند حاجز ضهر البيدر، وكلّهم مِن مواليد النصف الثاني مِن تسعينيات القرن الماضي. الشبّان أوقفوا، والآن أصبح العالم أكثر أمناً، هكذا سخر أحدهم. آخر ذكّر بما حصل مع الفنانة أصالة نصري. هذه لا أحد يوقفها، هذه «خط» مختلف، إذ يُطلق سراحها سريعاً. المُعلّقون خلعوا خوفهم، توجّهوا بالسخرية لـ«الأمن» في عقر صفحته، وأمام موجة جرأة راحت تكبر، وجدت القوى الأمنيّة نفسها مضطّرة للتعايش مع وصفها بالتخلّف وعدم الخجل.
أحدهم كتب مُعلّقا: «حب، كلّ دول العالم الأول بتحشّش. إنّو أنتوا شو؟ أفهم مِن أوروبا يعني؟ أو أميركا؟ أو كندا مثلاً؟ لا وحاطّين صورة smoking papers كمان هههه. أنا عايش بلندن، إذا بفرجي هالصورة للشرطة هون بيفرطو ضحك. ما بتستحوا على حالكن؟ جرصتونا قدام الأجانب. المجرم الوحيد هون هو انتو». لعلّه زادها قليلاً. وحده الشرطي الذي غرّد بالصورة يعرف بأيّ شيء كان يُفكّر حينها. لعلّ الأمر جاءه على هذا النحو. لعلّه هو مَن احتفظ لنفسه بـ«القدّاحة». هذه لم تظهر في الصورة. سؤال حيّر كثيرين: أين ذهبت «القدّاحة»؟ قبل مدّة وجيزة، قال المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء عماد عثمان، إنّه يُريد أن «تكون هناك شراكة مع المجتمع». ربّما عليه، ومَن معه، أن يفهموا هذا المجتمع أكثر قبل أن يُقرّروا الشراكة معه. هناك تحوّلات اجتماعيّة هائلة حصلت، وتحصل، فيما لا يزال الأمن في بلادنا يدار غالباً بذهنيّة «البكباشي».

تحوّلات اجتماعيّة هائلة حصلت وتحصل فيما لا يزال الأمن يدار بذهنيّة «البكباشي»


لم يجد القائمون على الصفحة الأمنيّة الإلكترونيّة، أمام إعصار التحشيش، إلا أن يوضحوا مضار الإدمان في تعليق منفصل. أرادوا أن يكحّلوها فعموها. هطلت عليهم تُهَم الجهل والتخلّف. أسئلة كثيرة عمّن أخبرهم، أساساَ، أنّ حشيشة الكيف تُسبّب الإدمان! علميّاً، هذه إشكاليّة. بالحدّ الأدنى يُمكن أن يُحكى عن عدم حسم. كأن مئات المعلّقين، فضلاً عن مئات المشاركين الآخرين، كانوا يحبسون هذه الرغبة والآن جاءتهم الفرصة وانفجروا: الشعب يُريد التحشيش. هذا مشهد ليس عابراً. إنّه يُخبر الكثير. أحدهم كتب مُعلّقاً: «في ناس بتتعاطى لتكمّل حياتها بهالبلد أحسن ما تنتحر. أنتو فشّلتوا الجيل». بالتأكيد هو لا يتحدّث عن قوى الأمن تحديداً، بل يتحدّث عن السُلطة السياسيّة عموماً، إنّما هذه الأخيرة تضرب بـ«الأمن». كثيرون يحملون في قلوبهم غضباً تجاه «الأمن». على المعنيين أن يقرأوا هذا جيّداً. مِن الجيد أن تُطبَع كلّ تلك التعليقات على المنشور المذكور لتُدرس اجتماعيّاً. هذا يحصل في الدول التي تدرس التحوّلات. ليس المطلوب إحباط مَن يكافح المخدرات، حتماً، إنّما المطلوب معرفة أنّ الجيل الحالي بات يميّز، علميّاً، بين صنف وآخر ويبحث ويقرأ. مسألة أخرى، ولعلّها الأهم، هي معاينة كيف يفلت كبار الفاسدين مِن العقاب، فيما لا تُستَعرض العضلات إلا على «صغار المحشّشين» وأمثالهم. مَن تُقتَل أحلامه، ثم يرى الذين قتلوها ينعمون بالمناصب أكثر فأكثر، ويراهم، مرّة أخرى، يزّجون بشبّان ضعاف في السجن لأنّهم حشّشوا، مع المباهاة بذلك... هذا لن يفوّت فرصة للسخرية مِن الأمن، مِن السُلطة، مِن الجميع، فكيف إن كان هذه المرّة أمام صورة في منتهى الكاريكاتوريّة!