منذ زمن طويل لم تعد المخيمات الفلسطينية مخزن أسرار تعيش وتموت خلف جدرانها. مخيم شاتيلا، على الأقل، ليس كذلك منذ المجزرة الشهيرة. رغم ذلك، تبقى لتلك الأزقة الضيقة الممنوعة من الشمس والهواء حكايا وأحلام، قرّر أطفال المخيم أن يبوحوا بها إلى «العالم الخارجي». عشرون صورةً في معرض «مخيم شاتيلا بعيون أطفاله» في دار المصور في الحمرا، تجسّد الحياة اليوميّة للمخيّم كما التقطتها عدسات أطفالٍ لم يتجاوزوا الـ 15 عاماً.

المشروع بدأ بمبادرة من ثلاثة فرنسيين: طالبا العلوم السياسية بيار بيريلونغ وهيغو شُوَربي، والمصوّر إنزو بودينو. منذ أيلول الماضي، حل الشبان الثلاثة الذين لم يتخطّوا العشرين في المخيم، وشاركوا أهله حياتهم ومناسباتهم. وهم يواظبون، كل نهار جمعة، على تدريب 15 طفلاً ضمن ورشة عمل على التصوير: من تقنيات الضوء والزاوية، إلى كيفية اختيار مواضيع التصوير، وكيفية التقاط صور جيدة. زُوّد الأطفال بكاميرات disposable (تُرمى بعد الاستعمال) تم تأمين تكاليفها من خلال حملة تمويل عبر الإنترنت لتبدأ رحلة المصورين الصغار. الأطفال نجوم المعرض: «هم من اختاروا المواضيع، والتقطوا الصور، وأضافوا شرحاً لكل صورة» يقول بيريلونغ. تمحورت الصور حول ثلاثة مواضيع اختارها الأطفال بأنفسهم: الحياة اليومية في شوارع المخيم، الهوية الفلسطينية حيث التقطت عدساتهم مراسم ذكرى النكبة مثلاً، مشاكل المخيم اليومية كنقص المياه والكهرباء، والنفايات، والاكتظاظ. يلفت بيار مستغرباً الى «أننا في 2018، ولا تزال معاناة سكان شاتيلا غير معروفة لدى سكان بيروت». يؤكد أن المشروع إنسانيّ بحت وليس سياسيًّا، «وصور الأطفال حقيقية، تعكس الحماسة الموجودة فيهم ومدى انفتاحهم ووعيهم». أمّا معايير اختيار صور المعرض فارتكزت، بحسب إنزو، «على المواضيع الثلاثة التي تبناها الأطفال، وعلى الصور التي تحمل معاني مكثفة... وطبعاً الصور الأفضل تقنيّاً». ويلفت إلى أنّ الصور «مذهلة بالنسبة لأطفال في هذه السن».
المشروع ينفّذ بالتعاون مع «مركز الأطفال والفتوة» الذي تأسس في المخيم عام 1996. يأمل محمود عباس «أبو مجيد»، مؤسس المركز، أن تستفزّ هذه الصور المشاهد لأن «هناك تمييزاً وتهميشاً تجاهنا في لبنان. يظنون أننا نأكل بشراً»، رغم أن الآمال ليست كبيرة لأنّ زوار معارض كهذه هم عادةً من «أصدقاء القضية». بالنسبة اليه، «المشروع مهم للأطفال أنفسهم لأن الكبار صدأت أفكارهم ومحاولاتهم. ربما لا يزال لدى الأطفال نفسٌ للتغيير في واقع المخيم». يرى الصور التي التقطها الأطفال كـ«أحجية Puzzle تجمع وجهات النظر كلّها لتظهر صورة متكاملة للواقع». عباس فقد الأمل باهتمام الحكومة اللبنانية أو المسؤولين الفلسطينيين، ولكن «لنا الحق أن نعيش مثل بقية الناس، ويجب أن لا يفقد أطفال المخيّم حقهم في الحياة». أطفال المخيّم كبروا قبل أوانهم «ما من طفولة هنا للأسف. ليس لدينا أطفال، هم دائما في أتون المعركة والصراع من أجل الحياة».
يفتح المعرض أبوابه اليوم في حضور المصورين الأطفال ويستمر حتى الأربعاء 27 حزيران، من 6 مساءً وحتى 9 مساءً، في دار المصور في الحمرا. وينتقل في 5 تموز المقبل الى مخيم شاتيلا.