مَن يكون ذاك الكائن الذي «فلت» على الناس في برج حمّود؟ إنّه عسكريّ في الجيش اللبناني. كان بلباسه المدني. عفواً، هو لم «يفلت» على الناس، بل على «صنف» مِن الناس، على فتاتين مِن كينيا الأفريقيّة. على الأرجح هو لا تهمّه الجنسيّات، طالما أنّ البشرة سوداء، والباقي لاحقاً يأتي. بيد واحدة يُمسك بشعريهما، يُركعهما أرضاً، وباليد الثانية «يشوبر» على رجال «سود» كانوا هناك: «يلا يا إيـ... أنت وإياه مِن هون، يلا يا عر...». وفعلاً، تابعوا سيرهم. ربّما لم يستوقفهم، في تلك اللحظة، إلا أنّ بشرتهم تُضرَب. ربّما خطر لهم فعل شيء ما، كمساعدة، لبنات لونهم، فتراجعوا عندما رأوا هيبة «الفالت». إنه موسم «الهيبة»، واللبنانيّون يتفرّجون. عاد إلى ضرب الفتاتين. كفوف ولكمات على الظهر، على الرأس، متحيّناً زاوية تمكّنه مِن الوصول إلى الوجه. يُريد أن يضرب الوجه. أكثر مِن دقيقة مضت. أسندهما، وهما في الأرض، إلى درّاجة ناريّة. عاد إلى الضرب. تأتي امرأة، بيضاء، فيخال المُشاهد أنّها ستشفع لهما. أنّها ستكون أكثر رقّة. تنحني قليلاً، فيتبيّن أنّها تبحث عن الوجه أيضاً... وتنهال بالضرب عليهما إلى جانب «الذكر». هذه ليست «نسويّة» طبعاً. تأخذها الحماسة أكثر، تُباعد ما بين رجليها، تفسخ، تنحني أكثر، بحثاً عن ملامح الوجه الأسود. تطاله فعلاً. هنا يأتي رجل أبيض، هذا سينقذهما، أكيد! لا، إنّه باحث عن الوجه أيضاً، الوجه الذي كانت الكينيّتان تُجاهدان في حمايته. حفلة ضرب.

ضرب ضرب ضرب. ما الذي يجري! مقطع فيديو انتشر بين الناس. مَن نشره، بداية، ألقى بالمسؤوليّة على قوى الأمن الداخلي. على فصيلة برج حمّود تحديداً. البعض قال إنّ «الفالت» (الأوّل) شُرطي. لاحقاً سيؤكّد «الأمن» أنّه ليس شرطيّاً. بعد بحث تبيّن أنّه ابن المؤسسة العسكريّة. هذه مسألة لن تُساعد في شيوع الحادثة إعلاميّاً، كما يجب (أو كما العادة). الجيش ملائكة! مِن سوء حظ كثيرين أنّ الفاعل هذه المرّة لم يكن مِن قوى الامن الداخلي. الأخيرة تواصلت مع سفارة الفتاتين، تُرجِمت إفادتهما، إذ قالتا إنّهما لم يفعلا أكثر مِن الانزعاج لاقتراب الفاعل مٍنهما بسيّارته. إنّه لا يُحب أن يتضايق مِنه أحد حتّى ولو دهسه، مثلاً! مِن أين ياتي هؤلاء بهذه الثقة! على الجيش اليوم أن يُخبر الناس مَن يكون ذلك الكائن. إنّه، بالتأكيد، لا يُريد أن يخفي هويّته، هو أصلاً كان يفعل ما فعل بوجه مكشوف. هو يُريد الظهور. يُحب هذا. هل ستساعده مؤسسته العسكريّة على تحقيق رغبته هذه أكثر، فتُخبر الجميع مَن يكون، ثم، وهذا الأهم، بمصدر «قوّته»؟ لم تستطع القوى الأمنيّة أن توقفه. لم تستطع أن تُحقّق معه. هو لم يهرب، لكنّه مِن الجيش، بالتالي أحيل إلى الشُرطة العسكريّة. لا يُعرَف بعد بما أفاد في التحقيق، المفترض، الذي أجري معه. فعل ما فعل في برج حمّود، وهو لا يبدو غريباً عن المنطقة، تلك المنطقة التي تحدّث سابقاً رئيس بلديّتها عن ضرورة سنّ قوانين إيجار خاص بـ«الأجانب». البلديّة نفسها التي منعت «الأجانب» سابقاً مِن المشي في الشارع بعد المساء. الأجانب «الغامقين» تحديداً، طبعاً، وليس الحديث هنا عن الفرنسيين مثلاً. نتّصل برئيس البلديّة لنسأله عمّا فعله «الفالت» إيّاه، وتفاصيل إضافيّة، فيُجيب: «لا أتكلّم عبر الهاتف، تعالوا لنخبركم، آه بالمناسبة أنا لا أعلم شيئاً عن الحادثة». شكراً حضرة مارديك بوغوصيان.

تبيّن أنّ الفاعل مِن الجيش لذا لم توقفه القوى الأمنيّة وأحيل إلى الشرطة العسكريّة


بالمناسبة، بعد كلّ الذي حصل، المرأتان الكينيّتان أوقفتا مِن قبل القوى الأمنيّة. لِمَ؟ لأنّ وجودهما على الأراضي اللبنانية «غير شرعي». ستُحالان لاحقاً إلى الأمن العام. لن يبقى جهاز أمن وإلا وسيكون لهما محطّة فيه. ماذا عن أمن الدولة؟ ألا يُريد أن «يبلّ يده» أيضاً؟ عند السؤال عن «أخلاقيّة» التوقيف بعد ما جرى عليهما، أقلّه كمجاملة، يأتي الجواب: «إنّه القانون». في هذه تكون الشرطة على حق. إنّهم يطبّقون القانون بحذافيره. حسناً، أين عنوان هذا القانون لنقصده ونتباحث معه في الأمر؟ إنّه «في المشمش». عندما كان ذاك «الضاري» يضرب الكينيّتين، وقبل تدخّل أحد الأشخاص أخيراً لمساعدتهما، إنّما دون جدوى، كان يُسمَع صوت كلب ينبح في المكان. ربّما كان على شرفة قريبة. تُراه ما الذي كان يقوله؟ إنّه مجرّد كلب ينبح.