جرت العادة أن يفتح «بازار» الوزارات باكراً بين القوى السياسية بحيث يمسك كل حزب طرف الحبل ويبدأ بالشدّ لضمان عدد معين من الوزارات ووضع اليد على حقائب من دون غيرها. وبعيداً عما تسمى «وزارات سيادية»، غالباً ما كان الصراع ينحصر ببعض الوزارات كالدفاع والعدل والشؤون الاجتماعية والأشغال والمهجرين. لكن يبدو أن معادلة الأمس القريب لم تعد سارية اليوم بعد تبدّل أولويات الأحزاب: يدور نقاش اليوم حول إسناد حقيبة العدل (تعد حقيبة شبه سيادية) إلى القوات مجدداً بعد انتفاء حاجة التيار الوطني الحر إليها غداة إنجاز التعيينات القضائية، خصوصاً أن الأحزاب الأخرى لا تضعها على جدول أعمالها. فيما سبق للقوات اللبنانية أن اعتبرت حصولها عليها في عام 2008 إنجازاً لما في ذلك من انتصار معنوي لرئيس الحزب سمير جعجع الخارج من السجن.

أما حقيبة الدفاع، فباتت اليوم في نظر الغالبية «لزوم ما لا يلزم» نتيجة عدم ضرب وزير الدفاع بيده على الطاولة لاستعمال صلاحياته في شكل جدّي في اليرزة. وتكاد تجمع القوى السياسية أن وزارة الشؤون الاجتماعية التي حولها الوزير السابق وائل أبو فاعور إلى إحدى أكبر الوزارات الخدماتية، تدخل اليوم في خانة «وجع الرأس السياسي» بسبب ملف النازحين المتأرجح ما بين مفوضية اللاجئين ووزارة الخارجية ورئاسة الحكومة والأمن العام ووزارة الدولة لشؤون النازحين ومستشار رئيس الحكومة لشؤون النازحين، الأمر الذي سيقيد الوزير المضطر إلى تحمل تبعات الملف، لا سيما مع نية التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية ميشال عون إيجاد حلول جذرية لمشكلة النازحين في الحكومة المقبلة. ولا لزوم هنا للحديث عن وزارة المهجرين التي تعامل معها الوزراء المتعاقبين على أنها «بقرة حلوب» إلى أن جفت منابعها بالكامل.

باسيل راجع؟
الصراع الحقيقي اليوم في مكان آخر. فجأة فتحت شهية حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي على وزارة الزراعة التي كانت هامشية في نظر حركة أمل نظراً إلى لعب «ريجي» الحركة دور الوزارة وأكثر. لكن يبدو أن الأطراف الأخرى باتت مدركة لأهميتها ونوعية العمل الممكن إنجازه فيها والذي يستثمر بربح مباشر في أوساط المزارعين في الأرياف. لذلك، يطالب التيار الوطني الحر بجدية بالحصول على الزراعة، على اعتبار أن المنتجات الزراعية والعضوية هي جزء من عمل يستكمل في وزارة الخارجية عبر فتح الأسواق الأوروبية وغيرها أمام صانعيها، فضلاً عن إعادة الاعتبار إلى الأسواق الخليجية براً، إذا أُعيد فتح معبر نصيب بين سوريا والأردن ربطاً بمعركة الجنوب السوري.
ويبدو رئيس التيار الحر متنبهاً أكثر من أي وقت مضى إلى ضرورة نيل حقيبة يمكن تحقيق إنجاز يومي فيها تماماً كحقيبة السياحة وبات يفضلها على الاقتصاد والعدل. ذلك، لا يعني أن باسيل في صدد إهمال الوزارات السيادية والخدماتية التي حددها وفق المصادر بالخارجية والطاقة. أما مسالة عودة باسيل، إلى الخارجية وهي الأكثر ترجيحاً، فمرتبطة بعامل أساسي اسمه الوقت، وكيفية التوفيق بين الاهتمام بالحزب وإجراء نفضة داخلية جدية فيه والعمل على إعادة «كودرة» الحزبيين كما تعزيز النشاط وسط الفئة الشبابية التي بينت الانتخابات الأخيرة أن التيار فشل في استقطابها. وبين واجباته في وزارة الخارجية التي تتطلب وقتاً كبيراً وأسفاراً كثيرة. من هنا، تبدو إمكانية تخلي باسيل عن الحقيبة الوزارية غير متصلة بمعادلة فصل النيابة عن الوزارة، فالوزير غير معني بها إن لم تكن قانوناً دستورياً ملزماً للجميع.
واللافت للانتباه في هذا السياق، ما تردد من معلومات مفادها أن ميراي عون «مصرة على نيل حقيبة وزارية من منطلق أنه يجدر بباسيل إما التفرغ للوزارة وإما لرئاسة الحزب، فإذا قرر العودة إلى وزارة الخارجية، عندها يصبح خيار ميراي بالترشح إلى رئاسة الحزب خياراً جدياً جداً».

توزير حزبيين أو أصدقاء
لذلك، يطمح التيار الحر إلى تبديل غالبية الوجوه الوزارية في حكومة تصريف الأعمال، في ضوء إجماع أهل القرار البرتقالي في شأن قلة انتاجيتهم وحضورهم الباهت والضعيف. علماً أن نظرية التيار التي تكونت عقب الانتخابات النيابية تقول إن الحزبيين أقوى شعبياً وفي أوساط الحزب من المستقلين الذي عكسوا صورة سلبية لا سيما رجال الأعمال. فيما يؤكد أكثر من مصدر عوني أن التيار في صدد توزير أحد رجال الأعمال من منطلق أن وجود هذه الفئة في التيار كنواب (4 من أصل 29) يعطيها الأحقية بالتمثل بوزير ضمن الحصة العونية.
من ناحية أخرى، تضج النقاشات الحزبية العونية في شأن ما إذا كان باسيل سيعتمد وزراء حزبيين أم سيذهب إلى الخيار الآخر المتداول بتوزير فئة «الأصدقاء»، ذلك أن عدداً كبيراً من الأسماء المتداولة حالياً تكشف أن هؤلاء إن وزروا، لن يكون توزيرهم سوى لأنهم أصدقاء رئيس الحزب.

ميراي عون تفكر بالترشح جدياً لرئاسة الحزب إذا قرر باسيل العودة إلى الوزارة

في حين يفترض برئيس الحزب إعادة لمّ شمل التيار الذي فضل بعض الناشطين والمؤيدين له البقاء في منازلهم على الاقتراع لتلك الوجوه التي لا تمثل العصب العوني ولا طموح العونيين. المعضلة الأخرى التي تقلق العونيين هي في عدم اعتماد معايير واضحة للتوزير تماماً كما حصل عند تشكيل الحكومة السابقة بعد وضع رئيس الحكومة المكلف «فيتوات» على أسماء اقترحها التيار كالنائب ايلي الفرزلي، فتم استبداله على الفور بالوزير نقولا تويني. في حين أن التيار بأمسّ الحاجة إلى «وجوه جديدة ونشيطة وتعطي دفعاً إيجابياً للعهد والتيار معاً». وتقول أوساط باسيل أن الأخير في صدد توزير أرثوذكسي من الأشرفية وآخر من الكورة وماروني من كسروان في تجربة مشابهة لما حققته القوات في بعبدا عبر توزير بيار بو عاصي ثم ترشيحه إلى النيابة بعد عمله على تكوين رأي عام لا يقل عن ألفي صوت في القضاء. كذلك يتجه باسيل إلى تعيين مستشاري ظل حزبيين لكل الفريق الوزاري الجديد حتى يتسنى لهؤلاء الإمساك بملفاتهم وتحقيق إنجازات جدية لها وقعها الشعبي. أما في ما خص حصة تكتل لبنان القوي، فتحددها المصادر بستة وزراء مسيحيين مقابل ثلاثة لرئيس الجمهورية (سني ودرزي وماروني).

القوات: عود على بدء
على المقلب القواتي، الأمور أكثر بساطة وسلاسة: «نريد وزارة سيادية أو منصب نائب رئيس الحكومة». ولأن المطلب الأخير غير قابل للبحث حتى الآن، تصبح الوزارة السيادية المطلب الأوحد والقابل للتحقق بعد إسقاط التيار اعتراضه عليها. في ما خص الأسماء، خيارات معراب ضيقة. لا مشكلة هنا بتبييض صورة القوات بعد أن نجحت المصالحة العونية القواتية التي قادها الوزير ملحم رياشي وزميله العوني إبراهيم كنعان بمصالحة القوات مع الرأي العام المسيحي. فرئيس الحزب سمير جعجع استفاد من وثيقة النيات لكسر «التابو» الشعبي والعوني بالدرجة الأولى، إذ إن ثمة رأياً عاماً كان ينتخب التيار نكاية بالقوات. هو نفسه قاطع الانتخابات النيابية الأخيرة لعدم اقتناعه بخيارات باسيل النيابية ولم يذهب إلى تسجيل موقف سياسي ضد القوات. كذلك يصعب إسقاط دور البروباغندا القواتية المضخمة لـ«نظافة كف» وزراء الحزب، خصوصاً في ضوء تجربة وزير الصحة، التي جاءت مخالفة بنتائجها لما يروج عنه. وتتوقع الأوساط عودة وزراء القوات أنفسهم باستثناء النائب بيار بو عاصي على قاعدة فصل النيابة عن الوزارة: ملحم رياشي (الحصة الكاثوليكية) وغسان حاصباني (الحصة الأرثوذكسية) فيما يتداول القواتيون باسم فادي كرم كحصة أرثوذكسية ثانية ولأنه «ربح في النيابة من دون أن يربح». أما الجديد، فهو بقرار معراب بتوزير الإعلامية ميّ شدياق التي سبق أن أخل جعجع بوعده إليها ترشيحها في الانتخابات النيابية وها هو يعوّض لها في الحكومة الجديدة.