40% من أصحاب العمل اللّبنانييّن لا يدفعون راتب العاملة المنزلية بشكلٍ منتظم، 94% من هؤلاء يقدمون على احتجاز جواز سفرها، و22% منهم يوصدون الأبواب عليها حين مغادرتهم المنزل. هذا ما أظهرته آخر دراسة وطنية أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت، قبل نحو عامين، بالتعاون مع «الجمعية الدولية لمكافحة الرق» ومنظمة «كفى عنفاً واستغلالاً»، وبدعم من مُنظّمة العمل الدولية.

استخدام هذه الأرقام حالياً يأتي في سياق الإشارة إلى الإنتهاكات التي يُمارسها غالبية أصحاب العمل ضدّ عاملات المنازل المهاجرات، والتي يُرسيها نظام الكفالة في لبنان.
وهذه الإنتهاكات لا تقف عند احتجاز جواز السفر و«حبس» العاملة وعدم دفع راتبها بشكل مُنتظم. إذ أن نظام الكفالة أرسى جملة من الانتهاكات تصل الى التعذيب والتعنيف النفسي والجسدي للعاملة، إضافة الى حرمانها من حقوقها المُتمثلة بحصولها على إجازة أسبوعية وعلى عدد محدد من ساعات العمل.

نظام الكفالة يُتيح لربّ العمل استعباد العاملة عبر «ربط» إقامتها بـ «رضاه

وبحسب المُدير التنفيذي لـ «المُفكرة القانونية»، المحامي نزار صاغية، يمنع نظام الكفالة العاملات الأجنبيات من اللجوء للعدالة ويضعهن أمام احتمالين: الأول اعتقالهن وترحيلهن الى بلدانهن، والثاني إطالة أمد الاجراءات القانونية تمهيدا للدخول في مُفاوضات مع أصحاب العمل. ويُجمع عدد من الحقوقيين على أن استثناء العاملات المنزليات من قانون العمل والمُضي في ما يعرف بنظام الكفالة يُتيح لربّ العمل استعباد العاملة المنزلية، وذلك عبر «ربط» مصير إقامتها القانونية بـ «رضى» ربّ العمل. وفي ظلّ غياب نظام تقاضي عادل يسمح للعاملة بانتزاع حقوقها، تغدو هذه الأخيرة أسيرة ربّ عملها.
وتزامنا مع اليوم العالمي لعاملات المنازل، أمس، دعت مُنظّمة العفو الدولية بالتعاون مع عدد من مُنظّمات المجتمع الأهلي، الى مسيرة احتجاجية ضدّ نظام الكفالة في لبنان، للسنة التاسعة على التوالي.
عشرات العاملات المهاجرات لبّين الدعوة، ونزلن الى الشارع تحت شعار «الكفالة عبودية»، بمشاركة عدد من الناشطين والناشطات، ومشين من مستديرة الدورة إلى حديقة السيدة في سن الفيل.
يمنع نظام الكفالة العاملات الأجنبيات من اللجوء للعدالة


المشهد كما كلّ عام. عاملات يصرخن بحناجر غاضبة ضدّ الظلم والتعنيف والتعذيب الذي يلحق بكثير منهنّ. بعضهن اكتفين بعرض صور لزميلات لهنّ كنّ قد خرجن الى الإعلام ليروين عذاباتهن. قصة لينسا مثلا، العاملة الأثيوبية التي تعرّضت لضغوطات كثيرة من إحدى المؤسسات الرسمية المعنية من أجل التراجع عن افادتها عن تعذيب كانت تتعرّض له ووثقته بشريط فيديو، كانت حاضرة في المسيرة. كذلك، حليمة، العاملة التي تم استعبادها لمدة عشر سنوات لم تتمكن خلالها من الحصول على أدنى حقوقها.
الفيديو الذي ظهر فيه رجل «وحش» في برج حمود يُعنّف فيه عاملتين من الجنسية الكينية لا يزال «طازجا» في ذاكرة العاملات والناشطات. البعض منهن وجدن في «الصورة» وسيلةً للتأثير على الرأي العام اللبناني أكثر، فبتن على قناعة بأن التوثيق جزء من تغيير الواقع. وربما لذلك عمدت الكثير من العاملات أمس الى تصوير المسيرة، إلّا أن القوى الأمنية كانت بالمرصاد، إذ أقدمت على اعتقال إحداهن بـ «تهمة» تصوير التظاهرة، قبل أن تُفرج عنها بعد ضغط من قبل المعتصمين.
«رهاب» القوى الأمنية من التظاهرات يأتي في سياق خشية المؤسسات الأمنية المعنية من تطور الحركات الإحتجاجية المطلبية التي تقودها العاملات المنزليات سعيا الى تحسين أوضاعهنّ. ولعلّ إقدام الأمن العام اللبناني في شباط عام 2017 على ترحيل النقابيتين روجا ليمبو وسوشيلا رنا بسبب عملهما النقابي في لبنان خير دليل على ذلك. وهذا يُنبئ بمشوار طويل لا يزال ينتظر أولئك العاملات.



حضرة نظام الكفالة
حضرة نظام التعهد بالمسؤولية المعروف بالكفالة،
تحية وبعد،
وصلت نيران الحرب إلى مدينتي، إلى الحي حيث كنا نقطن أنا وعائلتي في سوريا. كان زوجي قد خرج ليحضر لنا الطعام. فالتجأت وأولادي إلى بيت عمي ريثما يعود زوجي. كنت أنظر من النافذة وإذ بمنزلي في الجهة الاخرى من الشارع يحترق. رأيت الرصاص يهطل عليه كالمطر. لم يستطع أحد الخروج من منزله ليخمد النار. فخسرنا المنزل وكل ما فيه.
فررنا من سوريا بعد أن تنقلنا بين منازل الأقارب لأشهر عدة. لجأنا إلى لبنان بحثاً عن الأمان.
هذه القصة ليست جديدة. لكنني اكتب إليك هذه الرسالة لأخبرك طرفة.
منذ بضع سنوات سعى زوجي إلى الحصول على كفيل لبناني كي يسوي وضعه القانوني. كانت العملية معقدة جداً إلا انه كان مصراً على انجازها لأهميتها له ولعائلتنا الصغيرة. من دون كفيل، أو بما معناه إذا لم يكن وضعه قانونياً، قد يسجن، حتى أنه لا يمكنه الذهاب إلى المستشفى إذا مرض.
والطرفة تبدأ هنا:
عاد زوجي في يومٍ من الأيام إلى شقتنا الصغيرة في الحي الطرابلسي حيث نسكن، محملاً بأكياس فيها فلفل حلو (فليفله). بدت كأنها أطنان من الفلفل، فسألته متعجبة: «شو بدك تعمل بكل هلفليفلة؟ شو تاجر إنت؟».
أخبرني أن عليّ تقشيرها وصنع المربّى من بعضها وتجفيف البعض الآخر. لم أصدق وظننته يمازحني. فزوجي شديد المزاح. لكن، سرعان ما أدركت أن طلبه جدي. وقال لي: «المعلم هيك طلب. عمليهن وبلا كثرة غلبه».
الكفيل يريد أن يوزع المربّى والفليفلة المجففة على أفراد عائلته. إذا هذا سيكون نصيبي من «الكفالة» التي تضمن وجود زوجي إلى جانبي، مجازياً طبعاً. فمنذ أن صار زوجي مكفولاً قلّما أراه. هو دائماً مشغول مع الكفيل. وصارت مهامي تجاه الكفيل وعائلته تزداد يوما بعد يوم. أطبخ وأطرز وأكوي وأغسل... وأحمد الله أن مهامي تقتصر على الطبخ والتقشير والغسل والتنظيف. إذ أعرف غيري من النساء اللواتي إضطررن إلى فعل أشياء مرعبة ليحمين أزواجهن من الكفيل، أو بكل بساطة لأنهن أجبرن على ذلك.
ليس كل من كفل سورياً جائراً، ولبنان استضاف من اللاجئين ما يفوق قدرته. أنا أعي ذلك.
لكنك يا نظام الكفالة، وإن اسميت قصتي طرفة، ثقلك كبير جداً عليّ وعلى زوجي وأولادي. في الليل عندما يترك زوجي الفرشة ليذهب ويلبي طلبات «آخر الليل»، أشعر وكأنني وأولادي ننافس هذا الكفيل على اهتمام زوجي ووقته. الكفيل ليس رب عمل عادي، وأنت يا نظام الكفالة لا تشبه أي شيء عرفناه من قبل. أنت تعطي الكفيل سلطة على جسدنا وعقلنا وإحساسنا.

كتبت هذه الرسالة مجموعة من ثماني سيدات سوريات في منطقة طرابلس. وهي تحكي قصة إثنتين منهن واجهتا الطلب نفسه من كفيل زوجيهما: تقشير وتجفيف الفليفلة وصنع مربى منها. اختارت السيدات هذه القصة لعرضها على الرأي العام ليشاركنه ما يعنيه نظام الكفالة لهن. تشارك المجموعة في حملات ونشاطات تنظمها منظمة «أوكسفام» وجمعية «يوتوبيا» في طرابلس ومحيطها للتوعية حول حقوق الانسان والنساء بشكل خاص.
«أوكسفام» هي منظمة دولية تعمل في أكثر من تسعين بلداً في سبيل محاربة الفقر واللامساواة حول العالم.
«يوتوبيا» هي جمعية لبنانية شبابية تعمل خصوصاً في منطقة طرابلس لمحاربة التفاوت الاجتماعي وتحقيق التغيير.