لا يبشر التأخير في تأليف الحكومة بكثير من الخير، لا سيما بعد السجالات الكلامية وبيان رئاسة الجمهورية. فالمشكلة مرشحة لأن تتفاقم، فلا تعود مقتصرة على مجرد تأخير لأسابيع أو لأشهر، أسوة بما حصل أثناء تشكيل حكومات سابقة. المراوحة في التأليف، تضع التفاهم الرئاسي برمته على المحك، وتجعل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أسير إرادة الرئيس المكلف لا العكس.

صحيح أن لرئيس الجمهورية حقاً دستورياً بإصدار مراسيم تشكيل الحكومة، وحقاً دستورياً في قبول أو عدم قبول أي تشكيلة حكومية يرفعها رئيس الحكومة المكلف إليه، لكن أداء الحريري في الأسابيع الأخيرة، يتعدى أي مادة دستورية. إذ إنه في السياسة بات يحرج رئيس الجمهورية بتأخير تشكيل الحكومة التي يعوّل كثيراً عليها، ويضع التفاهم الإقليمي والدولي برعاية التفاهم الرئاسي – الحكومي قيد الاختبار.
قبل أشهر قليلة، قدم الحريري استقالته كرئيس للحكومة، من السعودية. تردد حينها أن اتصالاً جرى بإحدى الشخصيات السنية كي تتولى التأليف بدلاً عنه، ليسحب لاحقاً هذا الموضوع من التداول، ويخوض رئيس الجمهورية، ومعه حزب الله، معركة «استرداد» الحريري. في الأشهر اللاحقة، بدا التفاهم على أشده بين الرجلين، وبين تياريهما، ولم يظهر أن الحريري انقلب على التسوية الثانية التي عادت وكرسته مرة أخرى رئيساً للحكومة بعد طي الاستقالة السعودية. أجريت الانتخابات النيابية في ظل تفاهم بين الطرفين وعاد الحريري رئيساً مكلفاً بتشكيل حكومة للمرة الثالثة.
ما تغير هو أن الحريري لا يبدو هو نفسه الذي استرجعه عون إلى لبنان واستقبله استقبالاً لافتاً، ولا هو ذلك الذي رفض تلبية شروط سعودية قبل أشهر، ليعود اليوم «راضخاً» لها. ولا هو الذي جمعته مصيبة الاستقالة الأولى مع عون، لكنهما يكادان يفترقان مع مشاورات التأليف، ويعودان إلى مرحلة الخلاف المستحكم بينهما قبل سنوات، بحسب ما بدأت تعابير الطرفين توحي بذلك. ويطرح الأداء الحريري في الملف الحكومي وتمسك رئيس الحكومة بصلاحياته، أسئلة عدة حول المغزى الإقليمي والمحلي من التأخير ومستقبله. أولها، ماذا لو كرر الحريري تجربته مع الرئيس ميشال سليمان في أيلول عام 2009 فيقدم تشكيلة حكومية كأمر واقع إلى رئيس الجمهورية؟
الأكيد أن ثمة متغيرات كثيرة حصلت منذ ذلك التاريخ، لكن ثمة أوجه شبه أيضاً كثيرة، فالحريري حين قدم تشكيلة حكومية من ثلاثين وزيراً إلى سليمان بعد مضي 75 يوماً على تكليفه، كان يدرك سلفاً أن سليمان سيرفضها، بناء على رفض المعارضة حينها المتمثلة بحزب الله وعون وكان رئيساً لتكتل التغيير والإصلاح والرئيس نبيه بري لحقهم في اختيار وزرائهم، وأنه سيكلف مجدداً بتأليف الحكومة. لم تكن عناصر المغامرة كثيرة كي يغامر الحريري برصيده بعدم عودته رئيساً للحكومة، التي شكلها في تشرين الثاني من العام نفسه، واستمر رئيساً لها، حتى عام 2011 حين أطاحت به استقالة وزراء قوى 8 آذار حين كان في زيارة رسمية إلى واشنطن.
المفارقة أن الحريري يحمل مفاتيح الحكومة، مدركاً، والسعودية من خلفه، أن الظرف الإقليمي والمحلي دقيق، إلى الدرجة التي تمكنه من المغامرة، فيطرح شروطه وشروط القوات ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، فيطوي صفحة الخلافات الكثيرة التي فرقته عنهما قبل استقالة السعودية وبعدها. ولأن الكرة أصبحت في ملعب رئيس الجمهورية، يعرف الحريري أن أوراق عون ليست كثيرة، مهما كانت مواقفه وصلاحياته، ولا يمكن له وهو صاحب الحق في توقيع المراسيم، أن يعزل الرئيس المكلف مهما طالت مدة التكليف. ما يمكن عون القيام به، فقط إذا قرر الحريري وضع تشكيلة حكومية أسوة بما حصل عام 2009، أن يرفضها فيعتذر الحريري عن عدم التشكيل. وإلا سيبقى الحريري مكلفاً إلى أن يصدر قرار التأليف.

الظرف الإقليمي والدولي سيكون بالمرصاد لأي محاولة للإتيان بشخصية سنية معارضة بديلة للحريري


تجدر الإشارة إلى أن خطوة من نوع اعتذار الحريري عن عدم قبول التكليف، بعد تشكيلة أمر واقع، سيضع عون وحزب الله أمام تحد كبير والتسوية الرئاسية على المحك، ما يعني أن هناك من قرر اخذ البلد إلى المواجهة المباشرة. فبغض النظر عن احتساب النواب الذي سيعودون إلى تسمية الحريري أو تسمية غيره، فإن الظرف الإقليمي والدولي سيكون بالمرصاد لأي محاولة للإتيان بشخصية سنية معارضة بديلة للحريري. فلا عون يقدر أن يتحمل وزرها ولا حزب الله، مهما أصر الطرفان حالياً على توزير المعارضة السنية. فتمثيلها في الحكومة أمر يختلف عن اختيارها لرئاسة الحكومة، لا سيما أن أمام عون وحزب الله استحقاقين أساسيين، الأول العقوبات التي تشتد تصاعدياً على حزب الله ولبنان في حال جنوحه نحو أي خطوات تصعيدية، تفترض واشنطن أنها تصب لمصلحة حزب الله، والمؤتمرات الدولية الأخيرة التي ارتبطت بمكان أساسي بصورة الحريري واسمه، والزيارات الدولية إلى بيروت صبت في اتجاه رئاسة الحكومة والحكومة أكثر مما صبت في اتجاه رئاسة الجمهورية.
من هنا لا يمكن الكلام عن سيناريوات كثيرة ومغايرة لما سبق، لأن التجارب اللبنانية والتدخلات الإقليمية والدولية هي نفسها، وأي خيار مطروح على بساط البحث، سبق أن اعتمد وجرب وأسفر عن نتائج معروفة. وفي كل مرة، يكون الخيار الوحيد في لعبة عض الأصابع، العودة إلى حكومة اتحاد وطني، لا تزال هي المتقدمة كخيار. أما تكرار نموذج حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، فلا يزال مستبعداً. لأن ذلك سيأخذ للبنان إلى مكان آخر ويطيح بالتسوية والاستقرار فيه، وعون والتيار الوطني، لا يحتملان مواجهة كتلة معارضة من المستقبل والقوات وجنبلاط دفعة واحدة. النقطة الأساسية هنا تكمن في موقف حزب الله الذي ساهم في استعادة الحريري من السعودية، وسط كلام عن أنه لا يزال ينصح بالتريث. لكن ردود فعل رئيس الجمهورية وفريقه ورئيس التيار الوطني الحر، تجعل الشكوك تحوم حول الخيار الذي سيأخذه الحزب، فهل يتمكن من سحب عناصر التفجير الداخلي وسط تصاعد حدة السجالات أم يساهم في قلب الطاولة. حتى الآن الرهان على أن يساهم في التهدئة مهما كانت رغبات البعض، ولو طار انتظار التأليف، وإلا فإننا نكون أمام مرحلة مفتوحة على ألف احتمال واحتمال، ربطاً بتطورات العراق وسوريا.