عادت مُشاورات تأليف الحكومة إلى النقطة الصفر، حتى بدت الأجواء السياسية أشبه بمرحلة ما قبل التسوية الرئاسية. الخلاف بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري خرج إلى العلن، على خلفية إصرار الأخير على تبني مطالب القوات اللبنانية «التي تمدّ يدها إلى صلاحيات رئيس الجمهورية وموقعه»، بحسب مصادر قريبة من قصر بعبدا. وترى المصادر أن إصرار القوات على الحصول على منصب نائب رئيس الحكومة، يمسّ بصلاحيات رئيس الجمهورية، وبالأعراف التي أُرسيت بعد اتفاق الطائف، مضيفة: «أما إذا كان رئيس الحكومة متمسّكاً بمنح القوات أو أي كتلة أخرى حصة أكبر من حجمها، فلا مانع لدينا، شرط أن يكون ذلك من حصته، لا من حصة رئيس الجمهورية أو باقي الكتل».

هذه الأجواء عكسها بيان صادر عن رئاسة الجمهورية، شدّد على أن عون «ليس في وارد التغاضي عمّا منحه إياه الدستور من صلاحيات وما درجت عليه الأعراف المعتمدة منذ اتفاق الطائف، ولا سيما لجهة حق رئيس الجمهورية في أن يختار نائب رئيس الحكومة وعدداً من الوزراء». وأكّد أنّ «على الذين يسعون في السر والعلن، إلى مصادرة هذا الحق المكرَّس لرئيس الجمهورية، أن يعيدوا حساباتهم ويصححوا رهاناتهم، وينعشوا ذاكرتهم»، معتبراً أن «الانتخابات حدّدت أحجام القوى السياسية، وما على هذه القوى إلّا احترام هذه الأحجام حتّى تكون عملية تشكيل الحكومة مسهّلة».
وأكدت مصادر سياسية رفيعة المستوى لـ«الأخبار» أن عون والتيار الوطني الحر لن يقبلا بمنح القوات ما يمكّنها من إفشال العهد، لافتة إلى أن قناعة المعنيين بالتشاور مع الحريري بتأليف الحكومة باتت شبه محسومة لجهة أن التعقيدات خارجية لا داخلية. وتتحدّث المصادر عن إشارات صادرة عن بعض السفارات هدفها وضع فيتو على منح وزارات أساسية لحزب الله، وإن لم تكن وزارات أمنية أو سيادية. وقالت المصادر إن أداء الحريري سيؤدي إلى تصعيب مهمته، «وربما ستُرفع في وجهه بعض المطالب ــــ الشروط من قبل المحور المناوئ للسعودية، كمطلب توزير سنّة من خارج فريق 14 آذار».

تقرير المدير العام للأمن العام تضمّن ملاحظات بحق 85 مجنَّساً


ولفتت المصادر إلى أن تغريدة النائب جميل السيد أمس، قد تكون إشارة دالة في هذا المجال. التغريدة التي نشرها السيد على موقع «تويتر» قال فيها: «سابقاً، فشل جعجع باحتجاز الحريري بالسعودية لإسقاط الحكومة. اليوم نجح جعجع وجنبلاط بدعم سعودي باحتجازه في لبنان لعرقلة الحكومة، إلى متى الاحتجاز الثاني؟ الأغلبية معنا. ربما عريضة موقّعة من ٦٥ نائباً عبر المجلس إلى رئيس الجمهورية ليسقط تكليف الحريري كأنه لم يكُن. والبُدَلاء كثيرون».
كلام السيد أثار الكثير من التأويل حول ما إذا كان رسالة من الفريق الذي ينتمي إليه، أو نوعاً من الضغط على الرئيس المكلف، في مواجهة الضغط الذي يمارسه على رئيس الجمهورية. لكن السيد الذي يرى أن البعض يقرأ نصف الجملة ويترك نصفها الآخر، أكّد أن كلامه كان واضحاً في وجود شروط يمليها رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، وأن هناك إشارة سعودية للحريري بعدم تشكيل حكومة تزعج جعجع. وقال السيد لـ«الأخبار»: «يهمنا بقاء الحريري لأنه الأقوى، لكن يهمّنا أكثر أن لا يبقى رهينة عند جعجع، لأن الأخير ليس في موقع يسمح له باسترهان البلد أو القوى السياسية». ما قاله السيد ليس أكثر من «لفت نظر للحريري»، كما يقول، «فإذا أراد إبقاء البلد والحكومة رهينة سيجِد الفرقاء أنفسهم مضطرين لإعادة النظر في تكليفه»، مشدّداً على كلمة «ربما»، لأن «الخضوع إلى ما لا نهاية لا بدّ وأن يحصد ردّ فعل رافضاً، وصولاً إلى إعادة النظر بالتكليف». وقال السيد للحريري: «مع كل حرصنا عليك، ومعرفتنا لقيمتك وتمثيلك، لا نستطيع تحمّل إبقائك رهينة، فنحن معنا الأغلبية وهذه الأغلبية دعمت تكليفك، فلا تسمح للآخرين بفرض شروطهم عليك».
وكانت كتلة «المستقبل»، التي اجتمعت أمس برئاسة الحريري (الذي أعلن أنه سيزور عون في اليومين المقبلين) قد وجّهت رسالة إلى قصر بعبدا عدّتها مصادره رسائلة سلبية، وخاصة لجهة القول: «تتطلع الكتلة إلى الدور المحوري للرئيس ميشال عون، في الخروج من دائرة الترقب والانتظار، والانطلاق مع الرئيس المكلف نحو بلورة الصيغة النهائية لشكل الحكومة ومكوناتها». فهذا الكلام رأت فيه المصادر محاولة من «المستقبل» لتحميل عون مسؤولية تعطيل التأليف.

ملاحظات بحق 85 مجنَّساً
على صعيد آخر، بدا لافتاً ما أعلنه وزير الداخلية نهاد المشنوق بعد لقائه عون في بعبدا أمس، حيث قال إن البت بمصير مرسوم التجنيس مرتبط بقرار مجلس شورى الدولة بشأن الطعون المقدّمة فيه. وفُهِم من كلام المشنوق تمسّكه ورئيسَي الجمهورية والحكومة بالمرسوم، بصرف النظر عن لائحة الملاحظات التي قدّمتها المديرية العامة للأمن العام بشأن المشمولين بالمرسوم. وعلمت «الأخبار» أن تقرير المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، تضمّن ملاحظات بحق 85 اسماً وارداً في المرسوم. وتراوح هذه الملاحظات بين وجود ملاحقات قضائية أو أمنية في لبنان أو سائر دول العالم، أو وجود أحكام قضائية أو تعرّض أحد المجنسين للتوقيف في لبنان أو في وطنه الأصلي.