عندما يُطَالَب سعد الحريري بالتعامل مع مسار تأليف حكومته الثالثة، بأريحية مختلفة، كأن يجلس ومن حوله «الكبار» في بلده أو طائفته، سواء من يختلف أو يتفق معهم، يُصبح المُطَالب شخصاً آخر لا يشبه الحريري الابن نهائياً. لم يعد الرجل سيد نفسه. جاءته الفرصة (الأسر)، لكنه سيفوّتها أو فوّتها، على الأرجح. هو أسير حسابات «المحمدين» ومن ورائهما منظومة تقودها واشنطن. حزب الله ليس بمتناول اليد، فلتكن المعركة ضد عهد عنوانه: ميشال عون.

الفراغ الكبير يجعل الحريري أسير مكتب من أربعة جدران في وادي أبو جميل(هيثم الموسوي)

لا يُحسَد سعد الحريري على موقفه أو موقعه. على مدى 13 عاماً، خسر الكثير. خسر والده، وتلك خسارة لا تعوَّض. خسر معظم العائلة، عندما فرّقت الثروة والحسابات المتضاربة بين الأشقاء والشقيقات. من كان يتصوّر مثلاً أن محمد بن سلمان سيستنجد بالأخ الأكبر بهاء الحريري، للإجهاز على سعد الحريري؟ حتى عائلته الصغيرة، لم يعطها الوقت الذي تستحقه، بين بيروت والرياض وباريس وأخيراً لندن.
خسر ثروة، وهو الأعرف بين أخوته، كيف جمعها والده، وماذا كلفته هو شخصياً من انتظارات، كأن يقضي سعد شهراً أو اثنين في الصحراء بانتظار نهاية رحلة صيد يعود بعدها «عزوز» (عبد العزيز بن فهد)، فيضع توقيعه ــــ كلمة السر الإلزامية إلى الديوان. توقيع ملكي جعل «سعودي أوجيه»، وفي وقت قياسي، بين كبريات الشركات العالمية في عالم المقاولات، وجعل رفيق الحريري رقماً لا يغادر قائمة أغنياء العالم. الورثة تقاسموا الثروة، فلم يعد القرار واحداً كما كان في زمن والدهم. ليس غريباً إن باع أخوة لسعد بضعة عقارات عبر الهاتف أو خلال رحلة استجمام أو في سهرة سمر مع أصدقاء. هم لا يعرفون الكلفة التي دفعها والدهم حتى بلغ ما بلغه، لذلك، لا يعنيهم أصلاً أن يعودوا إلى لبنان أو أن يتملكوا فيه أو أن يحافظوا على رمزية عقار أو مؤسسة أو أي شيء آخر.
وحده سعد الحريري، من بين أخوته، تورط في السياسة و«البيزنس»، فكانت النتيجة إفلاس الكثير من خياراته السياسية على مدى 13 عاماً، وإفلاس إمبراطورية «سعودي أوجيه». نهاية بائسة للشركة وأصحابها وللعاملين والموظفين فيها (بلغ عددهم في مرحلة ما حدود الـ 120 ألفاً) من أربع رياح الأرض، وبينهم نسبة من جمهور حريري، لا بل من نواته الصلبة ـ الأم في صيدا عاصمة الجنوب. نهاية مقاولات وفّرت له أموالاً «أكثر من الرصيد الذي حظي به والده»، على ذمة العارفين.

سعد... والسعودية الجديدة
لا يُحسَد سعد على إرث سياسي، حصّله بالدم أولاً. دمُ والده. دمٌ غيّر وجه لبنان. أطاح سوريا من حيث لم تحتسب قيادتها ولا الحلفاء ولا الكثير من عواصم القرار. دمٌ، أعاد منفيين وأفرج عن مسجونين. هتفت بيروت وساحاتها قبل ثلاثة عشر عاماً، بما لم يتوقعه عاقل من شعارات. في المحصلة، إرث سياسي راكمه رفيق الحريري طوال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، بُدِّدَ أيضاً بسرعة قياسية.
لا يُحسد الحريري الابن، لأنه وجد نفسه قبل ثلاثة عشر عاماً، محاصراً بولاة دم كثر، بينهم الانتقامي أو الطامح أو المتلون أو الطامع. هذا في الداخل، أما في الخارج، فكان جاك شيراك النموذج الفاضح: مزيج من الوفاء والرياء والانتقام والمصالح. لا يُحسَدُ الابن، لأنه بالغ في سعوديته، على خطى والده من قبله. وليُّ الأمر هناك، لا يُرَدُّ لهُ طلبٌ أو أمرٌ، فكيف إذا كنا أمام سعودية جديدة؟ سعودية محمد بن سلمان المزنَّرة بالخوف والرعب والارتجال والرعونة، وليست سعودية فهد أو عبدالله، التي اعتادت تمويل «الوسطاء» في الحروب والتسويات والمقاولات.

سعد لم «يبق البحصة»
عندما احتُجز سعد الحريري في الرياض، لمدة أسبوعين، قبل مئتين ونحو أربعين يوماً، كان من الصعب عليه أن يُكذّب حقيقة مشاعره. في السياسة، لن يندمل ذلك الجرح العميق بينه وبين محمد بن سلمان، ولن يسهل حتى تجميله أو إهماله. القاعدة نفسها تسري على السعوديين، خصوصاً إذا عرفنا أن هناك من يهمس يومياً في أذن «الحاكم»، وتحديداً أولئك الذين حقدوا على رفيق الحريري ولاحقاً على نجله سعد، ولم يبدّد حقدَهم، لا تغيير مفاتيح الديوان ولا بلوغ المراتب التي يريدونها هناك.
صحيح أن سعد لم «يبق البحصة» كما وعد، لكن ما قاله إيمانويل ماكرون يعتبر كافياً ووافياً: «لو لم يكن صوت فرنسا مسموعاً لاندلعت الحرب في لبنان. أذكر أن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري جرى التحفظ عليه في السعودية لأسابيع عدة».
«التحفظ» برغم أنه تعبير فرنسي ملطَّف بدل «الاعتقال»، لا بد وأن يدفع سعد ثمنه. بكل الأحوال، الزمن السعودي الأول تحوّل. لا عودة إلى الوراء. تفتح صفحةٌ جديدة مع سعودية ابن سلمان. نجت التسوية الرئاسية ونجا سعد معها. حمايته كانت لبنانية أولاً ودولية (فرنسية ــــ أميركية) ثانياً. توليفة مركبة ومعقدة، شارك في حياكة خيوطها كثرٌ، لكن الراسخ في بيت الحريري الداخلي، أن نادر الحريري أحد أبرز هؤلاء، يليه نهاد المشنوق أول المتطوعين للقتال علناً في السياسة من أجل عودة سعد أو استعادته.

الانتخابات شيء وما بعدها شيء آخر
وقف سعد الحريري على منبر الذكرى الثالثة عشرة لرحيل والده. خاطب الجمهور المحتشد هناك بصريح العبارة: «ليس لدينا مال للانتخابات، هل هذا جيد؟ نحن تيار يرفض أن يتحالف مع حزب الله». هذه هي ذروة تحشيده ومصارحته لجمهوره. لم يذهب أبعد من ذلك، حتى عندما كان نهاد المشنوق يصرخ ليلاً ونهاراً في ما يزيد على تسعين لقاءً بيروتياً على مدى أسابيع حملته الانتخابية، محذِّراً من أن عاصمة لبنان «مهددة بالسقوط في أحضان المشروع الفارسي»، لم يسايره سعد الحريري. بدا وزير داخلية لبنان، بمحاولته إضفاء طابع سياسي للمعركة في العاصمة، كأنه يغرد خارج سربه.
أما نادر الحريري، بوصفه ليس مرشحاً، بل «مهندس تحالفات» انتخابية، فقد اختار مسلكاً لا يبتعد بموجبه التيار الأزرق عن تموضعات سياسية توفر له أفضل نتيجة انتخابية ممكنة، بعدما شلّحهُ القانون النسبي عشرة نواب على الأقل، من قبل أن تبدأ الانتخابات. هؤلاء كان يسهل تحصيلهم في القانون الأكثري. يصحّ الحديث عن أخطاء موضعية وسياسية حالت دون بلوغ الرقم المشتهى أو الواقعي: 24 أو 25 نائباً. كان يمكن تحصيل مقعد سني إضافي في بيروت لو ارتفعت نسبة المشاركة. كان بمقدور بهية الحريري أن تفوز بمقعد ثانٍ (كاثوليكي) لو لم تترك نفسها معلقة حتى آخر لحظة على حبال أوهام التحالف مع التيار الوطني الحر. في الكورة، خيانة موصوفة من جبران باسيل أطاحت نقولا غصن. في عكار، كان يمكن تحصيل مقعد مسيحي إضافي، وكذا الأمر في زحلة.

القوات وما تمثِّل سعودياً وأميركياً
لنادر الحريري خلاصته في ضوء تجربة «الاعتقال». حتمية الانفكاك عن السعوديين من جهة، وفي المقابل، لا حماية خارجية حقيقية أضمن من تلك التي تأتي من الأميركيين. محلياً، لا بد من المضي بالتحالف مع ميشال عون والتيار الوطني الحر (على حساب القوات) واستمرار «ربط النزاع» مع حزب الله. مقاربة سياسية ناقصة لا تدرك حجم التقاطعات الأميركية ــــ السعودية. معها، يصبح سعد الحريري تفصيلاً جزئياً، لا يقيم الطرفان له أدنى حساب. مع هكذا تقاطعات أيضاً، لا يجوز إغفال ما تمثل القوات اللبنانية، للسعودي والأميركي لبنانياً، وكل الوقائع الراهنة أو تلك الآتية، ستؤكد صحة الاستنتاج من عدمه.
بكل الأحوال، انتهت الانتخابات ويستمر موسم الحصاد. رئيس تيار المستقبل يريد ابن عمته نادر في السياسة على طريقته، هو ولكنه لا يريده أن يكبر أكثر مالياً. إزاحته تحرره من جهة وتربكه من جهة ثانية. يوحي بالحماسة شكلاً، بعد إبعاد ابن عمته ويشعر ضمناً بالندم. الفراغ الكبير المتمدد من حوله يجعله أسير مكتب من أربعة جدران في وادي أبو جميل. يقترب باسم السبع أكثر منه وكلمته تصبح مسموعة، لكن ليس في كل الملفات. يعود عقاب صقر إلى بيت الوسط. الفراغ يبدو ثقيلاً لا بل ثقيلاً جداً. قد ينجح غطاس خوري في إدارة ملف العلاقة مع بعض المسيحيين، وخصوصاً القوات، ومع وليد جنبلاط، ولكن من يدير العلاقة مع ميشال عون ونبيه بري وحزب الله؟

إنه زمن «الأشباح»
«الاشباح» وحدها تعوّض حضور «ابن العمة» في هذه المهمات وغيرها، ما دام الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات الاجتماعية بين الاثنين غير متاح. لا ينفي ذلك وجوب إعادة الاعتبار، ولو بالشكل، إلى نادر الحريري. تكريمه المقرر في السرايا الحكومية، بتقليده وساماً رئاسياً، بعد تأليف الحكومة، واجب اجتماعي بحت.
لا يُحسَدُ الابن، لأنه بالغ في سعوديته، على خطى والده من قبله


وحسـناً فعل المكتب السياسي لتيار المسـتقبل بأن «فرمل» اندفاعة رئيسه، من أجل «هضم» ما اتخذ من «قرارات عقابية». الأكيد أن الرجل يتجه نحو مؤتمر جديد سيكرسه رئيساً مطلق الصلاحية. «الأمر لي» في التيار سيسحب نفسه على كل شيء في السياسة والمال. ستكون مواعيده مفتوحة مع وجع متمادٍ في الرأس، وأولها تأليف الحكومة، والبداية من قرار فصل الوزارة عن النيابة. قرار لعلّ وظيفته الأبرز إبعاد نهاد المشنوق استكمالاً لإبعاد نادر الحريري. القاسم المشترك بين «الإبعادين»، توسيع فئة «المُطبِّلين». الأصح أن الرجلين يمتلكان الكثير من النفوذ والمقدرات والتقاطعات، وهذه نقطة قوتهما وربما ضعفهما.
لا يريد سعد الحريري الإنصات إلى ميشال عون. قال له: «بإبعاد نادر في هذه اللحظة، تبدو كمن يطلق النار سياسياً على رجليه». حساب الأول مختلف عن حساب سيد بعبدا. هناك قصر آخر في الرياض كان ينتظر «خبراً سعيداً» من هذا النوع... وإلا فإن كل رهان على مشروعية ووجود وتمويل أو دعم سياسي مستقبلي سيكون متعذراً.

لا لتكرار خطة عون الرئاسية
السوريالي في الأمر أن سعد الحريري مضطر لإتقان فنّ الإيماء. يريد أن يقرأ في الفنجان. أن يفكّ حروف محمد بن سلمان ونظراته. أن يدعي أنه يفكر في ما يفكرون فيه. أن يستقبل «الخواجات» بعيد منتصف الليل. أن يفرش لهم السجاد الأحمر. أن يهزّ برأسه مع كل إيماءة في أيّ اتجاه من اتجاهات السياسة والمال. يكاد البيت الحريري يعيش حالة حظر تجوال عندما يصل «هؤلاء». كلمتـ(هم) لا تُرَد... هم يمثلون من يمثلون ونفوذهم بات مترامي الأطراف، و«الخير لقدام» على حدّ تعبير أحد العارفين.
نموذج تعامل سعد الحريري «المتشدد» مع الملف الحكومي فاقع للغاية. صارت القوات اللبنانية شريكته في الدفاع عن اتفاق الطائف. في رفض أية معادلات عونية «تعيد البلد إلى زمن الجمهورية الأولى». لذلك، لن يتقدم عنوان على «حرب الصلاحيات». من هنا، يبدأ موسم إطلاق النار سياسياً على العهد لمحاصرته ومنعه من تحقيق إنجازات تشجّع طامحين مسيحيين آخرين على اتباع خريطة الطريق نفسها التي اتبعها ميشال عون للوصول إلى بعبدا. استفاقة الحريري المتأخرة على الصلاحيات ستليها «صحوات» أخرى متتالية!

استراتيجية سعودية جديدة في لبنان
يتحدث السعوديون عن استراتيجية جديدة للمملكة في لبنان. من ركائزها التعامل مع ميشال عون بوصفه «مجرد أداة بيد حزب الله وإيران». سمير جعجع هو «المعتمد الأول» سياسياً ومالياً. حزب الله هو «العدو الأول»، لكن الوسائل التقليدية في مواجهته أثبتت فشلها. لا بد أن تتضافر «الحرب الناعمة» التي يخوضها دونالد ترامب ضد إيران، مع حرب أكثر نعومة ضد حزب الله في الداخل والخارج، وصولاً إلى تثوير بيئته الحاضنة، بما في ذلك توسيع الشرخ بينه وبين نبيه بري.
وفق هذه الاستراتيجية، زار وليد جنبلاط الرياض وعاد منها غير نادم على تحييد حزب الله، لكنه سيكون رأس حربة استهداف العهد، وبوتيرة متصاعدة. ستتوالى الدعوات إلى سمير جعجع وسامي الجميّل وآخرين (فارس سعيد أولهم). العنوان إعادة إحياء قوى 14 آذار. عملياً، إعادة تكريس الاصطفافات. حاول السعوديون جسّ نبض الرئيس نجيب ميقاتي، فأتاهم الجواب: لن أغادر وسطيتي، ولن أكون جزءاً من أي اصطفاف قديم ــــ جديد.
إنه «هدوء ما قبل العاصفة». تتصرف القوات اللبنانية على أساس أن المرحلة المقبلة «ستكون صعبة». الحرب الكبرى في المنطقة واقعة حتماً. الأميركيون لا يمزحون مع الإيرانيين وحلفائهم. هذا كلام قاله جعجع. معه، كان لا بد من رسالة إلى سعد الحريري: «إذا أردت ترتيب أولوياتك على أساس هذه المعادلات تخبز بالأفراح». دقق المعنيّ أكثر من مرة بمضمون الرسالة. كان الجواب واضحاً: «كل الاحتمالات ستكون واردة إذا أجهضت نتائج الانتخابات، بما فيها رئاسة الحكومة، وإن غداً لناظره قريب».