أراد وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال جمال الجراح، في مؤتمره الصحافي، أمس، أن ينفي تهمة تهريب المراسيم في مجلس الوزراء، فإذ به يزيد الشكوك في أن المراسيم المتعلقة بوزارته، وغيرها طبعاً، هُرّبت فعلاً.

ما نجح الجراح في تأكيده هو أن كل الوزراء يتحمّلون مسؤولية التهريب، ومنهم وزير المال الذي نقلت «الأخبار» عنه أنه تحفظ على القرار (رد عليه الجراح بسؤاله: كيف يعقل أن يوقع مرسوماً لم يوافق عليه؟). لكن «الأخبار» لن تستدرج إلى كشف مصادرها، وإنما تتبنى دعوة الجراح إلى الوزراء لكشف تفاصيل ما حصل في الجلسة، ولماذا لم يسمعوا بالمرسوم (تمسك أحدهم بروايته عن تهريب المرسوم، وإن عاد وأشار إلى أنه كان مطروحاً كبند مستقل على جدول الأعمال). أما قول الجراح إن سبعة من الوزراء شاركوا في النقاش، فهذا كلام يحسمه نشر محضر الجلسة، وحسناً فعل بأن طالب الأمانة العامة لمجلس الوزراء بكشفه، عله يكشف أيضاً عن كيفية إدارة الجلسات الحكومية، وكيفية تمرير قرارت كهذه.
إذا ثبت أن التهريب لم يجر في غفلة عن الوزراء، فهذا يعني عملياً أن أعضاء «التعاونية» المسماة مجلس الوزراء، هم إما شركاء أو شهود زور أو أن حضورهم مثل غيابهم على حد سواء (سبق للأمين العام لمجلس الوزراء أن استخدم التعبير الأخير رداً على اعتراض نائب رئيس الحكومة على تحوير قرار يتعلق ببواخر الكهرباء، حيث اتهمه بأنه كان «حاضراً غائباً» عمّا اتخذه المجلس أو يريد تجاهل ما اتخذه المجلس من قرارات)، لكن في كل الأحوال، أعضاء «التعاونية» مسؤولون عن «الفضيحة» (التوصيف يعود لوزراء ونواب ينتمون إلى كتل ممثلة في الحكومة) التي جرت في مجلس الوزراء. وإلا، ماذا يسمي الجراح تهريب الموضوع في الجلسة الأخيرة التي سبقت الانتخابات النيابية؟ وكيف يفسر أن الموضوع لم يأخذ من النقاش أكثر من ربع ساعة، على ما أكد في المؤتمر الصحافي (هل ربع ساعة هو وقت طبيعي لمناقشة ملف حيوي نتيجته وهب قطاع الاتصالات للشركات الخاصة؟)؟ وكيف يفسّر الوزير عدم التطرق إلى الأمر في المقررات الرسمية للجلسة؟ وكيف يفسر التأخير لنحو شهرين قبل توقيع المرسوم ونشره في الجريدة الرسمية؟
الشبهة واقعة لا محالة، والوزير الجراح نفسه يدرك ذلك أكثر من غيره، هو الذي سعى منذ بداية عهده إلى إعطاء الشركات الخاصة الأفضلية على هيئة أوجيرو، عبر قرار وزاري اعترضت عليه إدارة الهيئة قبل غيرها. وكانت النتيجة قراراً أولياً لمجلس شورى الدولة يوقف العمل به، بعد أن قدمت نقابة عمال أوجيرو والاتحاد العمالي طعناً فيه (لم يصدر القرار النهائي بعد).
لم يشأ الجراح انتظار قرار «الشورى»، فسارع إلى إصدار قرار ثان يغطي شكلاً العيوب التي رافقت الأول، ويزيد عدد الشركات المستفيدة على حساب المال العام. لكن حتى ذلك القرار لم يكن مطمئناً للشركات الساعية لتثبيت «حقوقها» في السيطرة على قطاع يدر مليارات الدولارات، فكان الحل بتحويل القرار، الذي يمكن إلغاؤه من قبل أي وزير يأتي لاحقاً، إلى مرسوم يتمتع بقوة قانونية أكبر.
حسناً فعل الجراح بتركيزه على الشكل للهرب من المضمون. وحسناً فعل بالسماح لنا بالاستنتاج أن المتورطين ليسوا قلة في مجلس الوزراء. لكن في شكل مفاجئ يخلص الجراح إلى أن الهدف من تقرير «الاخبار» هو «تشويه سمعة أوجيرو التي تنجح وتخدم الرأي العام». الأمر مفاجئ لأن الجراح لم يُعرَف عنه أنه صار حريصاً على أوجيرو أو سمعتها، هو الذي لم يعنه كل ما كتب عن المخالفات التي تقوم بها إدارتها، إن في ما يتعلق بالزيادات العشوائية لرواتب المدراء أو بخنق الهيئة بالمياومين تأميناً لمصالح انتخابية لأحزاب السلطة (سبق أن اشتكى مدير عام أوجيرو من ضغوط مارسها الجراح نفسه لإدخال مياومين من منطقته إلى الهيئة).
ثم، ألم يكن من الأجدى بالحريص فجأة على سمعة أوجيرو أن يحيل مديرها العام إلى التحقيق، بدل اتهامه سابقاً بهدر المال العام، ثم التراجع عن الاتهام؟
هنا، لا بد من التذكير أن الجراح قال إن المدير العام لهيئة اوجيرو عماد كريدية يقوم بأعمال الصيانة والتشغيل انتقائياً ولغايات خاصة وشخصية من دون مراعاة الحاجات الفعلية لسير العمل وخدمة المواطنين. قال أيضاً إن كريدية «يعمد إلى تنفيذ أعمال مخالفة للقانون متجاوزاً صلاحياته ومسؤولياته القانونية، متسبباً بهدر المال العام».
يمكن وضع ذلك في خانة الحرص على أوجيرو من الفساد الذي يواجهها، لكن الحريص على أوجيرو كان عليه أيضاً أن يبرر كيف حلت المشكلة بينه وبين كريدية. هل تبين أن الأخير لا يخالف القانون ولا يهدر المال العام أم أن التدخل السياسي أقفل النقاش؟ كان لافتاً حينها أن الجراح عاد وقال إن الهدف من كتابه لكريدية هو تنبيهه «وقد انتظم العمل وبات على المدير العام لأوجيرو التشاور مع الوزير في شأن المشاريع».
تصوروا وبكل بساطة، وفي سياق «الحرص» على أوجيرو، «ينبّه» وزير الاتصالات المدير العام عبر اتهامه بالفساد وتنتهي القضية عندما «ينتبه» الأخير، فيصبح أكثر مداراة لمصالح الوزير، فتسقط عنه التهمة تلقائياً وبسرعة. إنها ابتكار جديد وبحاجة إلى براءة اختراع. هكذا قرر وزير لبناني أن يواجه الفساد. أضف إلى ذلك ابتكار آخر تمثل بإقالة الجراح لمستشاره نبيل يموت، ثم العودة عن القرار بقرار آخر يجعله مستشاراً لقاء ليرة واحدة. العودة عن القرارين لم تأت من فراغ. هناك قرار ما يأتي من جهة ما، هي نفسها، على الأرجح، التي تجعل من يموت الوزير الفعلي للوزارة، من دون أن يكون للجراح حق الاعتراض، أقله في العلن.