ليس سهلاً أن تعيش في بلد تتحكم به السلطات الطائفية، ومافيات البنوك، ووضع أمني متفلت لا يُحاسب فيه الجاني كرمى لعيون الزعيم الحامي.

كل أربع سنوات يأتي «المونديال» ليمتّع قلوب العالم بمشاهدة اللعبة الأكثر شعبية عالمياً، ولبنان يبقى الحالة الخاصة بين الدول أجمع، فهو لم يصل يوماً إلى هذا الاستحقاق، إلّا أن شعبه ينقسم بين مشجعين للمنتخب الألماني ومشجعين للمنتخب البرازيلي. وهذان المنتخبان يستحوذان على أكبر عدد بين المشجعين مقارنة بسائر دول العالم، وبذلك يدخل لبنان في عمق الأحداث، وتصبح شرفات منازله مزينة بالألوان، علّها تعطي مواطنيه بهجة في أمرٍ يستمتعون به ويهربون من خلاله من وضع اقتصادي وسياسي سيّئ.
وتصبح صفحات التواصل الاجتماعي عبارة عن انتماءات لدول أخرى، وكلٌّ يحاول تشجيع منتخبه على طريقته، ويعبّر عن فرحه بفوز منتخبه وغضبه في حال الخسارة، وهناك في زاوية من زوايا الضاحية الجنوبية، حيث يقطن فيها مواطنون لبنانيون صمدوا في وجه الاعتداءات «الإسرائيلية» والتفجيرات «الإرهابية» ولا يزالون يصمدون في وجه الفقر والجوع والوضع الاقتصادي المتردّي، ولأنهم صادقون في انتماءاتهم ويتحمسون عند كل ربح، قتل «محمد زهر» باعتباره مشجعاً للمنتخب البرازيلي.
من قتله؟ هل هو ذلك الشاب الذي طعنه بالسكين؟ أم هي لعنة المونديال؟
ليس غريباً على لبنان أن نسمع بجرائم متعددة الهوية، من جرائم الشرف، والأخذ بالثأر، والخلافات المادية، والرصاص الطائش، وتكفيك نسبة الانتحار التي تزداد بين الشباب يوماً بعد يوم.
فالأسباب كثيرة لهذه الجرائم، وليس تبريراً للجاني، لكن غياب الدولة في تلك المنطقة، هو من أول أسباب موت الشاب، والوضع الاقتصادي السيّئ، البطالة، الممنوعات المنتشرة بين الشباب، الثقافة المعدومة (إلخ)، كل ذلك جعل من الشباب في حالة توتر دائمة، فضلاً عن الحالات العصبية، وعدم تحمل أي خسارة أو كلمة «تزريك»، كلها أسباب أدت إلى خسارة محمد لحياته.
قد يُقبَض على الجاني، وسيحاكَم ويُرمى في السجن، وقد لا يدخل السجن إذا كان هناك من قوة سلطوية تحميه، وقد يُحاكَم بالواسطة، أي مثله مثل الكثيرين الذين يحظون بحكم غير عادل، ولكن الذي لن يحدُث هو إيجاد الحلول لمنع هذه الجرائم، وعدم النظر إلى حالة الجاني والأسباب الداخلية التي جعلته يطعن صديقه فقط من أجل منتخب رياضي هو لا ينتمي إليه أصلاً إلا من خلال علمٍ يلوِّح به، أو سترة طبع عليها علم وطن ليس وطنه.