أتيحت الفرصة للجميع حتى يخرجوا من «المرسوم - الفضيحة». لكنه موسم «الأشباح» من وادي أبو جميل إلى قصر بعبدا مروراً بوزارة الداخلية، وما يتفرع عن هذه أو تلك من زواريب ومافيات.

استنجدوا، وخصوصاً رئاسة الجمهورية، بالمديرية العامة للأمن العام، لتدقق لهم بلائحة الأسماء التي تضمنها مرسوم التجنيس الممهور بتواقيع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الداخلية نهاد المشنوق.
عندما قيل للعماد عون إن العهد يجب أن يمتلك من الشجاعة والجرأة ما يجعله أن يكون مضرب مثل عند كل المؤسسات الدستورية، قال «انا لها». استدعى اللواء عباس إبراهيم وقال له «أنت المكلف بهذه المهمة». أجابه «العبرة بنشر المرسوم أولاً. كل من يملك معلومة، يزود بها الأمن العام عبر أرقام محددة»... وهكذا كان.
بدا أن الأمن العام فوق الشبهات، وعندما تختلف الحسابات عند أهل الدولة نفسهم، يحتكمون للأصلح بينهم. وقبل أن تبدأ فرق الأمن العام مهمتها، إنهالت المعلومات من هنا وهناك.
هناك في القصر الجمهوري من يريد أن لا يتحمل مسؤولية خطأ ما. مدراء وضباط وبعض أقارب الرئيس عون. مرروا المرسوم من دون مراعاة الحد الأدنى. هم يدركون حجم ما ارتكبت أياديهم ولكنهم لم يُشعروا رئيس الجمهورية بأن ثمة خطأً أو تقصيراً في الأمر. من يحاسب هؤلاء إذا كانوا مؤتمنين على تقديم كل العناصر والمعطيات التي يضع رئيس الجمهورية توقيعه عليها؟ هل تأكدوا من قانونية ونزاهة وصحة ما رموه على المكتب الرئاسي؟ هل هناك بينهم من قبض أو وَعَدَ أو وُعدَ؟
لا تنتهي القصة هنا. هناك رئيس حكومة يتباهى دائماً بشعار «العبور إلى الدولة». لماذا شجع على هذا المسار المتعرج الأخطاء ولم يصدر عنه تعليق إعتراضي واحد بل إستعجال غير مفهوم لإصدار المرسوم.
ثم من هو المسؤول عن إضافة صفحة بخط اليد على المرسوم في الطريق ما بين القصرين الحكومي والجمهوري، وبأمر ممن حصل هذا الشيء، ولماذا لم ترفق مع هذه الصفحة «تقصوصة ورق صغيرة» أو هوية أو صورة عن جواز سفر؟
وإذا سلمنا بصحة ما يعلنه وزير الداخلية بأن كل الأسماء التي تضمنتها «كوتا» الداخلية ليس بينها اسم لمشبوه واحد، يصبح السؤال: لماذا وافق على وضع توقيعه على مرسوم يتضمن أسماء عدد من المشبوهين، كما أفاده فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وهل يمكنه أن يؤكد أو ينفي صحة ما تم تداوله في أحد المقرات الرسمية عن تزوير توقيعه ووضعه على إحدى نسخ المرسوم في أثناء رحلة تنقلها بين السراي الحكومي وقصر بعبدا؟
لنفترض أن ذلك وغيره مما ستكشفه الأيام المقبلة، صار وراء ظهرنا، عندما قرر رئيس الجمهورية تجميد العمل بالمرسوم والطلب من الأمن العام التدقيق في الأسماء. لماذا قرر المعنيون في الدوائر الثلاث المعنية تجاهل التقرير الرسمي الذي تضمن ملاحظات على عشرات الأسماء من المشبوهين أو المرتكبين أو الفاسدين أو المطلوبين؟ ولماذا هذا الاستعجال على وضع المرسوم منذ أول من أمس (الأربعاء) موضع التنفيذ، من دون أن ترف عين موظف رسمي مؤتمن على أغلى شيء في البلد وهو الانتماء (الجنسية)؟ وهل صارت الهوية اللبنانية رخيصة إلى هذا الحد، ومن يضمن أن لا يتم تمرير عشرات المراسيم والقرارات بالطريقة نفسها، وبالمضمون الفاسد نفسه؟
ولماذا أعلن وزير الداخلية من القصر الجمهوري أن مرسوم التجنيس لن يُعدَّل بانتظار صدور قرار مجلس شورى الدولة في شأن الطعنين المقدَّمين إليه من القوات اللبنانية والحزب التقدمي الإشتراكي، ولم تمض ساعات قليلة، حتى كانت دوائر وزارة الداخلية تباشر إجراءات التجنيس (منح إخراجات قيد وأخذ بصمات عدد من المجنسين وغيرها)؟
الأخطر أن أحد المسؤولين في القصر الجمهوري قال لـ«الأخبار» إن المعطيات التي بين أيدينا تشي بتجميد المرسوم إلى حين صدور قرار مجلس شورى الدولة، «فماذا ستفعل دوائر الداخلية إذا تم إبطال المرسوم»؟
الأكيد أن قرار مجلس شورى الدولة، لم يصدر، بحسب مصادر قضائية واسعة الإطلاع، وعندما ينجز، سيصار إلى إعلان مضمونه على الملأ، لذلك، يتكرر السؤال: من اتخذ القرار بوضع المرسوم موضع التنفيذ وهل يدرك من اتخذه آثار تداعياته اللاحقة، خصوصاً أن المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم قرر مغادرة لبنان ورفض الرد على كل أسئلة الصحافيين واستفساراتهم في الساعات الماضية؟
وحسناً فعل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بقوله، إننا في حزب الله لم نكن على علم بهذا المرسوم لا من قريب ولا من بعيد، والحزب لم يعلم به إلا من خلال وسائل الإعلام. وقال إن الحزب وضع مجموعة ملاحظات في شأن المرسوم «ولكن لن نعرضها في وسائل الإعلام بل سيذهب أحد نوابنا إلى فخامة الرئيس لوضعه في أجوائها».

من يضمن أن لا يتم لاحقاً تمرير عشرات المراسيم والقرارات بالطريقة نفسها، وبالمضمون الفاسد نفسه؟


لكن السؤال: هذه الملاحظات إذا كان هدفها التصويب، هل ترك المعنيون فرصة من هذا النوع أم أنهم أجهضوها في مهدها، وهل يمكن لحزب الله وحليفه الرئيس نبيه بري أن يتجاهلا كل ملاحظاتهما على المرسوم وما فيه من أسماء مشبوهة وخطيرة، لمصلحة وعد غير مضمون بفتح الباب أمام مراسيم جديدة للتجنيس؟
ومن قال إن وضع المرسوم موضع التنفيذ يحجب نقاش المعايير التي لم يقاربها الأمن العام، في تقريره الرسمي، لا من قريب ولا من بعيد، إذ إن مهمته كانت محصورة بالبعد الأمني؟ والمقصود بالمعايير نقطة هامة ألمح إليها السيد حسن نصرالله بإشارته إلى وجوب ألا يكون المال هو المعيار الحصري الوحيد للتجنيس، خصوصاً على طريقة من اختاروا متمولين ليس لضخ أموال في خزائن الدولة الفارغة بل في حساباتهم الخاصة.
لقد فتح السيد نصرالله الباب واسعاً أمام نقاش من نوع مختلف لجهة إصدار مراسيم رئاسية دورية للتجنيس، لكن بمعايير واضحة تشمل أولاً المستحقين على شاكلة أبناء قرى وادي خالد في عكار من حملة هوية قيد الدرس، ويقدر عددهم بنحو سبعمائة شخص، فضلاً عن الآلاف من أبناء القرى السبع (لا تقدير رسمياً نهائياً لأرقامهم)، على رغم القناعة الراسخة بأن مراسيم كهذه لن تصدر، لأن معظم المشمولين بها هم من أبناء الطوائف الإسلامية.
من قرر وضع المرسوم موضع التنفيذ عليه أن يقلّع شوكه بأظافره. هذه المعادلة تسري على كل المتورطين في «بيع» جنسية بلدهم للعشرات من المشبوهين والفاسدين وتجار الموت والسياسة، وبينهم بعض العملاء المعروفي الأدوار والانتماءات.