درجت الحكومات اللبنانية بعد اتفاق الدوحة على التوقف عن عقد جلسات، بحجة أنها في فترة تصريف الأعمال، واكتفى الوزراء إفرادياً بتصريف الأعمال، بحيث لا تعقد الحكومة اجتماعاتها إلا في حالات طارئة جداً.

إن هذه الممارسة تخالف نص المادة 64 التي تتحدث عن حكومة تصريف أعمال وليس عن وزير تصريف أعمال، ذلك أن الثابت في الدستور (المادتان 17 و65) أن السلطة الإجرائية يتولاها مجلس الوزراء بعدما كانت وفق الدستور السابق على تعديل عام 1990 منوطة برئيس الجمهورية، وبالتالي، فإن هذا المتغير يجعل من المتعذّر تطبيق المبادئ التي كانت مطبّقة سابقاً أو حتى المطبّقة في فرنسا التي يختلف نظامها الدستوري عن نظامنا الجديد.
في ظلّ الدستور السابق، كانت السلطة التنفيذية منوطة برئيس الجمهورية، وكان دور مجلس الوزراء محدوداً، وكان بإمكان رئيس الجمهورية التقرير في أي موضوعٍ يتصل بمهمات السلطة التنفيذية من دون أن يكون مقيّداً بحالة تصريف الأعمال التي هي متصلة بعمل مجلس الوزراء كهيئة جماعية أو بالوزراء إفرداياً.
أما بعدما أصبحت السلطة التنفيذية تتولاها الحكومة (الطائف)، فلم يعد من الجائز أن تتخلى عن ممارسة هذه السلطة، أو أن تعتكف، بحجة اعتبارها مستقيلة، عن الاجتماع، متنازلةً ضمنياً عن صلاحياتها للوزراء ليتولوا إفرادياً تسيير شؤون السلطة التنفيذية عبر تسيير أعمال وزاراتهم، بالرغم من أن هذا التنازل ليس له أي أساس دستوري وإنما كان الوزراء سابقاً يكملون إفرادياً كمعاونين لرئيس الجمهورية الذي كان يستمر في رأس السلطة التنفيذية.
اليوم، وبعدما أصبحت الحكومة هي التي تتولى السلطة التنفيذية، وبغياب النص الصريح، فإن أحداً لا يستطيع الحلول محلها في ممارسة شؤون هذه السلطة واتخاذ القرارات اللازمة لتأمين سير المرافق العامة وتسيير شؤون المواطنين.
وتُعزّز هذه الحجة بالفقرة الأخيرة من المادة 64 من الدستور التي ألزمت الحكومة أن لا تمارس صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال.
وبوضوحٍ تامٍ وبقصدٍ مباشر، فرض الدستور اللبناني، بصريح النص، على الحكومة أن تتولى تصريف الأعمال، والمقصود بالحكومة مجلس الوزراء كهيئة جماعية لا مجموع أعضائه كل بمفرده، ومع النص الصريح على أن من يتولى تصريف الأعمال هو «الحكومة» فلا مجال لتطبيق الاجتهاد السابق، الفرنسي أو اللبناني.

لا يجوز للحكومة بعد الطائف أن تتخلى عن ممارسة دورها أو أن تعتكف عن الاجتماع بحجة أنها مستقيلة


وما يعزز هذا التفسير أيضاً أن الدستور ميّز بين الحكومة كهيئة جماعية وبين مجموع أعضائها، فإذا كان المخاطب مجموع الوزراء فإن النص يخاطب الوزراء مثل المادة 66 التي تقول بوجوب أن يتحمل الوزراء إجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة. ففي هذه المادة تمييز واضح بين الوزراء إجمالياً أو إفرادياً وبين الحكومة كهيئة جماعية. وكذلك في المادة 67 التي نصّت على أن «للوزراء أن يحضروا إلى المجلس إن شاؤوا وأن يُسمعوا عندما يطلبون الكلام...». وفي هذا النص، فإن إلزامية حضور جلسات مجلس النواب إنما هي للوزراء إجمالياً أو فردياً ولا إلزام على الحكومة كهيئة دستورية بحضور جلسات مجلس النواب.
أما عندما يستخدم الدستور كلمة «حكومة»، فالمراد بهذا المصطلح الهيئة الجماعية المحدد أصول اجتماعها واتخاذ قراراتها في المادة 65 من الدستور.
ولو شاء المشترع أن يتولى الوزراء تصريف الأعمال لاستخدم المصطلح الآتي: «ولا يمارس الوزراء صلاحياتهم...»، لكن حيث إن الدستور استخدم مصطلح «الحكومة» وقرنه بتصريف الأعمال، فإن من الخطأ حصر تصريف الأعمال بالوزراء بصورة إفرادية لتسيير شؤون وزارتهم، لأن الأعمال الوزارية الفردية لا تغطي أعمال الحكومة، بل لا بدّ من تأدية مجلس الوزراء واجبه الدستوري كاملاً واحترام النص الدستوري الذي أوجب على الحكومة ممارسة تصريف الأعمال حتى نيلها الثقة.
* أستاذ جامعي