تتباين التوقعات في شأن نسبة التزام الشركة المشغّلة لمعمل معالجة النفايات في صيدا، الشروط البيئية والصحية بعد تفاعل الحملة المدنية والشعبية ضدها إثر تفاقم أزمة تراكم النفايات وانتشار الروائح الكريهة. يخشى كثيرون ألا تتأثر «أي بي سي» بسلسلة التحركات التي نفذتها هيئة متابعة قضايا البيئة والقوى الوطنية في المدينة برئاسة النائب أسامة سعد. النظر إلى أصحاب الشركة وتجربتها منذ استلامها المعمل عام 2014، لا يبشر بالخير بالنسبة إليهم. 86.54 في المئة من المساهمين هم سعوديون من بينهم ثلاثة أمراء من آل سعود، في مقابل 13.79 في المئة من المساهمين اللبنانيين من بينهم رئيس مجلس الإدارة فؤاد فريج ومدير الشركة نبيل زنتوت. وخلافاً للقانون، خصّت الدولة الشركة بامتياز استثنائي في عقد التلزيم قضى بتمليك الشركة العقار الذي شيّد فوقه المعمل، علماً أنها منطقة بحرية مردومة وافقت الدولة على ردمها لزوم إنشاء المعمل والمطمر الصحي ومحطة تكرير المياه المبتذلة وإزالة جبل النفايات. وهذا أيضاً يخالف قانون الحق بالوصول إلى الملك العام والبحر.

الدولة منحتها أيضاً تسعيرة مرتفعة عن فرز ومعالجة كل طن من النفايات (16 بلدية في صيدا - الزهراني وصيدا ومخيم عين الحلوة) بلغت 95 دولاراً تدفع من خزينة اتحاد بلديات صيدا - الزهراني. وبما أن الأرضية التي انطلقت منها الشركة مليئة بالمخالفات، فإنها استمرت على هذا المنوال في تشغيل المعمل. واللافت أن النائب بهية الحريري اقترحت حل أزمة النفايات المتراكمة في بيروت قبل عامين بنقل جزء منها إلى معمل صيدا مقابل 95 دولاراً عن كل طن تدفعها بلدية بيروت، وذلك على رغم التعثر الذي كان يشوب أداء الشركة.


ضمن مراسلات أحيلت إلى وزارة البيئة، ورد أن الشركة ارتكبت مخالفات عدة منها التلاعب باحتساب وزن حمولة الشاحنات التي تمر على القبان ما يؤثر في تحديد تسعيرة كل حمولة والكميات العائدة لكل بلدية. التلاعب ينسحب أيضاً على تحديد كمية العوادم الناتجة من النفايات المفرزة، فضلاً عن جهة تصريف المياه الناتجة من غسل النفايات وكبسها، إضافة إلى عدم التزام الشركة بقياس نسب تلوث الهواء الناتج من المولدات والسخانات وغرف التسبيخ (التسبيخ متوقف والشركة لا تنتج سماداً من النفايات العضوية!) ونظم الفلترة لمعالجة الانبعاثات. هيئة متابعة قضايا البيئة في صيدا وثّقت بالصورة ما تفعله إدارة المعمل لجهة رمي النفايات غير المفرزة في البحيرة المجاورة للمعمل أو في البحر الواقع خلف المعمل مباشرة، أو السماح لسائقي الشاحنات بفعل ذلك. وأظهر شريط مصور طريقاً داخلية تسلكها الشاحنات بعد مرورها على القبان باتجاه البحيرة لرمي النفايات من دون فرز، في حين أن جبل العوادم الذي ارتفع في باحة المعمل الخلفية يضم مختلف أنواع النفايات وليس عوادم فقط.
بعد الحملات المكثفة التي نفذها الناشطون قبل أشهر ضد أداء الشركة، استقدمت الأخيرة كسارتين لخلط العوادم مع الردميات. لكن استقدام 250 طناً من النفايات يومياً من بيروت و30 طناً من جزين فضلاً عن شوائب في الفرز والمعالجة، أدى إلى تباطؤ عمليات التخلص من الجبل الجديد.
منحت الشركة تسعيرة مرتفعة عن الفرز والمعالجة بلغت 95 دولاراً


«الانتفاضة» الأخيرة واقتحام حرم المعمل والمعاينة ميدانياً للكارثة البيئية في المعمل والبحيرة، سجلت فصلاً جديداً من المواجهة بين القوى الوطنية وبين داعمي الشركة الذين أظهروا طوال الفترة الماضية تضامناً أو صمتاً على أدائها في مقدمهم تيار المستقبل وبلدية صيدا (مالكو شركة أن تي سي سي التي تجمع وتنقل النفايات إلى المعمل مقربون من آل الحريري).
وضع سعد القضية في عهدة رئيس الجمهورية، ما استدعى زيارة وزير البيئة طارق الخطيب وعقد اجتماع لمجلس الأمن الفرعي في سرايا صيدا. الخطيب أقر بوجود مشكلة أنتجت الروائح الكريهة، معلناً إيفاد مندوب من دائرة الصحة في محافظة الجنوب لمراقبة عمل الشركة وتكليف قوة من بلدية صيدا لحراسة محيط المعمل ومنع رمي النفايات في البحيرة، ووضع تقرير خلال 3 أيام عن وضع المعمل، إضافة إلى إجراء مسح بيئي شامل للواجهة الجنوبية البحرية. وأعلن أنه سيزور صيدا مجدداً، الاثنين المقبل، للوقوف على تنفيذ ما اتفق عليه في الاجتماع مع محافظ الجنوب منصور ضو ورئيس البلدية.
وكانت الشركة قد استأنفت تشغيل معمل صيدا بعد «تلقيها ضمانات بالحصول على حماية أمنية لمنع تكرار اقتحام المعمل والدخول إلى حرمه»، بحسب إعلان بلدية صيدا. لكن اللافت أن الشركة التي عادت لتستقبل نفايات صيدا وبيروت، استمرت بمقاطعة نفايات جزين، على رغم وجود عقد بين اتحاد بلديات قضاء جزين والشركة بجمع ومعالجة النفايات لقاء 95 دولاراً عن كل طن. وربطت مصادر متابعة قرار الشركة بالتوقف عن استقبال نفايات جزين على رغم العدد القليل (30 طناً)، بالمقارنة مع نفايات بيروت وقضاء صيدا، بالخلاف السياسي الحاصل بين الاتحاد وتيار المستقبل على خلفية تحرك الاتحاد لإقفال كسارة مخالفة في القضاء يملكها محمد الشماع، صديق آل الحريري، في ظل اتخاذ بلدية صيدا موقفاً منحازاً لمصلحة الشماع.