سوّق التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية لاتفاق معراب، باستخدام اللغة الطائفية، التي تعرفها أدبيات السياسة اللبنانية، وتمتهنها كلّ القوى المُشاركة في تركيبة النظام. ظهّرا العقد الموقّع بينهما كما لو أنّه «ضمانة» أبناء الطائفة المسيحية، في وجه «الآخر» الذي يُريد «الاستفراد» بهم و«الانقضاض» على «حصّتهم». لم يكتفِ الطرفان بذلك، بل صوّرا القوى التي انتقدت تفاهمهما الثنائي، كأنها مُعارضة لـ«المصالحة المسيحية». تحت هذا العنوان الطائفي، جرى «تهريب» الاتفاق الذي تبيّن بعد نشره أنّه يتضمن قطباً مخفية كثيرة، «تُدينهما» سويّاً. بنود الصفحات الأربع التي انتشرت، تكشف أنّ «التيار» و«القوات» لا يعترفان بأي «مسيحي» لا يحمل بطاقة أحد الحزبين، وكأنّ هذا الإنسان حرفٌ ناقص من المعادلة، ولا «حقوق» له. المُفاجئ أن يصدر هكذا تصرّف، عن حزبين هما أكثر من يعرف الطعم المُرّ للإلغاء، فيتحولان بعد إمساكهما بزمام السلطة إلى إلغائيين. وحين يختلفان، يسحبان أسلحتهما بوجه بعضهما البعض، ليُلغي أحدهما الآخر.

ورد في نصّ الاتفاق الآتي: «تتوزع القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر مناصفة المقاعد الوزارية المخصصة للطائفة المسيحية». ويتم «توزيع مراكز الفئة الأولى في الإدارات الرسمية والمؤسسات العامة ومجالس الإدارة العائدة للمسيحيين، بالاتفاق بين الطرفين». ويتولّى كلّ من الفريقين «أمر حلفائه بما يراه مناسباً». يعتبر صاحبَا نظرية الـ«86 في المئة من المسيحيين» أنّ بالتقائهما، ينتفي وجود الآخرين. ولا يحق، بأدبياتهما، لتيار المردة وحزب الكتائب والمُستقلين في 14 آذار أن يتمثلوا، إلا بموافقة الرابية (قديماً) أو معراب. اعتقد «التيار» و«القوات» أنّهما بذلك، يخلقان ثنائية جديدة، أسوةً بثنائية حزب الله - حركة أمل، مُتناسيين أنّ ما يجمع «الحزب» و«الحركة» أبعد بكثير من مُجرّد اتفاق طائفي، وقاعدته ترتكز على حماية المقاومة إستراتيجياً.
«طابع الاتفاق السرّي، هو الفضيحة»، يقول أحد أبرز المُستقلين في تجمّع 14 آذار. فلو أنّه وُضع فعلاً «من أجل مصلحة اللبنانيين والمسيحيين والموارنة، كما يقولان، لماذا إبقاءه سرياً؟». ما تبيّن بعد نشر اتفاق معراب، أنّه عبارة عن «مصالح ضيّقة وشخصية، قائمة على تقاسم الحصص». ماذا عن عبارة أنّ التيار العوني والقوات يتوليان أمر حلفائهما بما يجدانه مُناسباً؟ «أصلاً هم لا يعتبروننا، كمستقلين، بأننا حلفاء. بحسب وصفهم، نحن فراطة ولا نُمثل شيئاً. كانا يقصدان تيار المستقبل وحزب الله فقط». انفراط العقد بين «التيار» و«القوات»، لن يؤدّي إلى إعادة التقاء دروب معراب ومُستقلي 14 آذار، «الموضوع انتهى، ونحن أصبحنا بمكانٍ آخر».
في الإطار نفسه، يتحدّث حزب الكتائب، «ليس المُهم إن كان القوات أو التيار سيتقرّبان منّا بعد خلافهما، لحاجتهما إلى حليف مسيحي، المُهم ما الذي نريده نحن». وقيادة الصيفي قرّرت في المرحلة المقبلة «إعطاء فرصة لرئيس الجمهورية. نُكرّر بأننا لن نكون معارضة أو موالاة بالمطلق». لا يُقارب «الكتائب» انتهاء اتفاق معراب من منطلق «الشماتة»، بل يعتبر أنّ ما كان يُحذّر منه قد صحّ، «ما بُني على مصلحة، فرّقته المصالح».
قبل اتفاق معراب، «فاتحنا التيار برغبته عقد اتفاق مسيحي معنا، ورفضنا. لم يكن من الممكن، عقد اتفاق سياسي مع التيار، وهو في الوقت نفسه حليفٌ لحزب الله. هذا ما قُلناه للقوات، وبسبب ذلك، تمت مُهاجمتنا». الفكر الإلغائي، «ليس غريباً عن التيار الوطني الحرّ أو القوات اللبنانية. فكما حاول «التيار»، بناء تحالف ثنائي مع حزب الكتائب، حاولت «القوات» إقناع تيار المردة سابقاً بتقاسم الساحة المسيحية».
تقول مصادر «المردة» إنّ الاتفاق «يُظهر طريقة تعاطيهما بفوقية مع الآخرين. وعن أي حلفاء يتحدثان، وهما في تلك المرحلة، لم يكونا على علاقة جيّدة لا بالمردة ولا بالكتائب ولا بمستقلي 14 آذار». صحيحٌ أنّ الاتفاق «إلغائي، ولكن ذلك لا يعني أنّ القوى الأخرى، ستتوقف عن التواصل مع التيار أو القوات». لا تستبعد «المردة» إمكان التلاقي مع أحدهما، «كلّ شيء وارد. في السياسة لن نُغيّر مواقفنا، ولكن في الأداء اليومي من الممكن أن يكون هناك تقاطع حول ملفات مُعينة».
المنطق الإلغائي في اتفاق معراب، انعكس في شكل أساسي على الحلفاء السابقين للقوات اللبنانية، الذين تمكنت قيادة معراب من الانقضاض عليهم. ظهر ذلك خلال الانتخابات النيابية، حين استقطبت «القوات» من جمهورَي «الكتائب» ومُستقلي 14 آذار. في حين أنّ التيار العوني، لم يتمكّن من إلغاء تيار المردة، لا انتخابياً ولا شعبياً. لماذا؟ تردّ مصادر «المردة» بأنّ السبب الأول، «هم حلفاؤنا في 8 آذار، والسبب الثاني شخصية سليمان فرنجية، الذي كان مُرشحاً جدياً إلى رئاسة الجمهورية».