ذات نصر، خطَّ التاريخَ قادةٌ شهداء، عاصرت بنادقهم مختلف المعارك منذ الطلقات الأولى عام 1982. خَبُرت الميدان كشَيبِهم، ولازمت انتصاراً تلو الانتصار. ارتقوا في عملهم الجهادي، حتى 12 تموز 2006، «موعد» وصولهم إلى المسؤولية الكبيرة التي كان يحملها كل فرد منهم. وقفوا أمام عدوان أسالَ دماءً، وطحن عظاماً، وهدم قرى وبضعة مدن. وضعوا حدّاً لاحتلالٍ تكسّر تحت ظلال سيوفهم. أرواحٌ تحدّت الموت... بالموت، وأكملت مسيرةً راغبةً إما الحُسنَيين: النصر أو الشهادة... «وما بدّلوا تبديلاً». «الأخبار»، في عددها، اليوم، تروي بعضاً من سيرة قادة شهداء، شاركوا في صدّ عدوان تموز. منهم من استشهد على أرض الجنوب قريباً من فلسطين. ومنهم من سقط في ساحات أخرى، على الدرب نفسه. حكاياتٌ بَعضُها تروى، اليوم، وأخرى «لها يومها»


علي أحمد فيّاض «علاء البوسنة»
ولد في أنصار 1970
استشهد في حلب/ سوريا 2016



«لو بحثنا في كل بيوت العرب لما وجدنا أشجع منك»، هكذا نعى القائد الجهادي الكبير مصطفى بدر الدين «علاء البوسنة»، الرجل الأربعيني المنحدر من بلدة أنصار الجنوبية، والذي ألِف في حياته «الجهادية» المهمات الصعبة. لـ«الحاج علاء» بصماتٌ واضحة في «صقل تجربة المقاومة العسكرية»، وتحديداً في تأسيس «قوّتها الخاصة»، وبنائها وتطوير برامجها. لازمت «البوسنة» اسم الشهيد «الجهادي»، حيث قاتل هناك في تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب «المستضعفين».
عُرف علي فياض بشجاعته وإقدامه، و«ترابيّته... فهو الحاضر دوماً بين المجاهدين». يروي أحد الملازمين له في حرب تموز أن «علاء» تسلّم ــ وقبيل عملية «الوعد الصادق» ــ مسؤوليةً جديدة، تاركاً «المنطقة الساحلية (الخط الساحلي الواقع جنوبي نهر الليطاني حتى الحدود مع فلسطين المحتلة)، التي كان أحد المعنيين بها».
ينقل أحد رفاق «علاء» أن الشهيد حرص على أن يكون دوماً على «رأس اللائحة»، عند انتقاء قيادة المقاومة أسماء المشاركين في أي عملٍ نوعي ضد الاحتلال الإسرائيلي. خبرته بأساليب قتال العدو، ومعرفته بـ«المنطقة الساحلية»، دفعتا قيادة المقاومة إلى أن يتولّى «علاء» أحد قطاعاتها الأساسية. بدأت الرحلة من مدينة صور إلى بلدة كفرا، حيث تولّى مسؤوليتها، والتنسيق مع المعنيين في القرى المحيطة. تزامن وصوله إلى هناك مع إطلاق العدوّ عملياته البريّة على بلدة عيتا الشعب. ولأن كفرا، وفق «الحسابات العسكرية»، تعتبر منطقةً حسّاسةً جدّاً، ومحور تقدّمٍ محتملٍ للعدو، وضع فيّاض سريعاً خطّةً دفاعية، متعاوناً مع الشباب الموجودين فيها: زَرع العبوات، ونَشَر الكمائن والقبضات المضادة للدروع.
حضور «علاء» المباشر في الميدان أعطى دُفعةً معنوية للمجاهدين، بعد أن واجهت قيادة المقاومة مشكلةً في إرسال التعزيزات إلى بلدتي رشاف وصربين. عندها، جعل «علاء» من كفرا «عقدة وصل» بين القرى، حيث رسم خطّةً بديلةً قضت بتوفير الدعم (أفراداً، وعتاداً، وذخائر) للقريتين، انطلاقاً من كفرا، بعد أن تولّت قيادة المقاومة، بدورها، مدّه بكل ما يحتاج إليه.
ظلّ «علاء» ورفاقه ثابتين في مواقعهم حتى صباح 14 آب 2006. صمودٌ طمأن قيادة المقاومة، التي قدّرت أنّه «إذا تمكّن العدو من التقدم من عيتا الشعب ــ وهذا أمرٌ صعبٌ جدّاً ــ فإن المواجهة الفاصلة ستكون في كفرا»، أو «عيتا الثانية... بقيادة علاء البوسنة».


خالد أحمد بزّي «الحاج قاسم»
ولد في بنت جبيل 1969
استشهد فيها أيضاً، في 2006



أثخنت بنت جبيل الجسد الإسرائيلي بالجراح، مرةً عام 2000 عندما وقف فيها الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله وألقى خطابه الشهير: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»، وأخرى في حرب تموز 2006 عندما قاد الشهيد خالد بزي معركة الصمود فيها. حاول الإسرائيليون، غير مرة، احتلال بنت جبيل لرفع العلم داخل ملعب المدينة رداً للاعتبار. ولفعل ذلك، دارت معارك داخلها حيث قاد غرفة عملياتها «الحاج قاسم». كان في حساب الإسرائيليين أن تستغرق عمليتهم 48 ساعة فقط، لكن صمود المقاومين أبقاهم سبعة أيامٍ يعانون داخل المدينة، وعلى تخومها.
قائد عملية الأسر في «خلة وردة» في 12 تموز، وبعدما نجح وإخوته في أسر جنديين إسرائيليين، استقر في بنت جبيل طيلة الحرب، ليدير عمليات المقاومة من داخل أحد المنازل القديمة، بعدما ضربت الطائرات مراكز الحزب المكشوفة. في 13 تموز، أعلنت إسرائيل أن المدينة قد «سقطت عسكرياً». لم تكن الحياة هناك ممكنة لاستمرار القصف العنيف عليها، لذا طلبت «إدارة العمليات» من «قاسم» التراجع. رفض ذلك، مؤكداً أنه سيبقى ينتظر المواجهة، وردّد على مسامع رفاقه: «أفضل أن تدعس جنازير دباباتهم فوق جثتي على أن أتراجع». وجَّه «الحاج قاسم» للعدو ضرباتٍ شديدة في فترات مختلفة من أيام الحرب. الاشتباك الأوّل حصل في المربع الذي بات يُعرفُ بـ«مربع التحرير» (عيناتا ــ بنت جبيل ــ عيترون ــ مارون الراس). فشل العدو في التقدّم، ثم حاول الالتفاف بعدها من جهة «تلة مسعود» و«غراند بالاس» للإطباق على المدينة، وصولاً إلى منطقة «صف الهوا»، خط المدينة الرئيسي. يومها، طلب الشهيد القائد من نخبة المجاهدين هناك القيام بعمليات نوعية، كأسر جنودٍ للعدو، ونصب كمائن، وشنّ هجمات سريعة. كانت الضربة الأقسى للإسرائيليين في «غراند بالاس». في 28 تموز، اتخذ الإسرائيلي قراراً بتدمير المدينة. الساعة 8 مساءً بدأ القصف الأعنف، ليهدّم ما نسبته 80% من بنت جبيل. معظم مبانيها سوّيت بالأرض، وأحدها كان فوق جسد «الحاج قاسم»، الذي استشهد مع رفيقيه محمد أبو طعام، وكفاح شرارة.


حسن محمد الحاج «أبو محمد الإقليم»
ولد في اللويزة 1964
استشهد في سهل الغاب «حماة»/ سوريا، 2015



بين عامي 2000 و2004، كان «أبو محمد الإقليم» من الركائز الأساسية في العمل التدريبي للمقاومة. ابن «الجيل الأوّل»، وصاحب البسمة الدائمة والروح النشطة، انتقل قبل عامين من بدء حرب تموز إلى القطاع الغربي، ليتولّى مسؤوليته عسكريّاً، نظراً إلى مراكمته خبرةً واسعة جداً في الميدان. رافق «إقليم التفاح» اسم القائد الميداني، فبات جزءاً منه، ومرافقاً له. تغيّر الجغرافيا، وانتقاله إلى المنطقة الساحلية، لم يكونا عائقاً أمام نجاحات «الحاج ماهر»، بل شكّلا دافعاً إلى «الإلمام بكافة تفاصيل المنطقة ومسؤولياتها سريعاً». شارك في وضع الخطط العملياتية، راسماً حدود المحاور والمواقع والنقاط، وموزّعاً التشكيلات والأسلحة والذخائر، وفق «حاجاتها العملية» لأي مواجهة مع العدو الإسرائيلي.
مع اندلاع حرب 2006، كان «أبو محمد الإقليم» قد أتمّ تسلّم مهمته الجديدة، فاتخذ من أحد بيوت بلدة القليلة (جنوبي صور) «غرفة متابعةٍ» له. أثناء الحرب، أصيب مسؤول «محور الساحل» (قرية الناقورة الحدودية ومحيطها)، ما دفع القائد إلى التصدّي الشخصي، وإدارة المحور بشكلٍ مباشر، فضلاً عن إدارة محاور أخرى. اشتدت الحرب قسوةً، مع تقدّم العدو ناحية بلدة البياضة، هنا أوعز «الحاج ماهر» إلى المقاومين بضرورة توزيع الكمائن على طول الخط البحري، تحسّباً لأي إبرارٍ محتمل، طالباً منهم «تجهيز حفرٍ فردية، وعدم التردّد قدر المستطاع إلى المباني أو البيوت». يتابع من رافق «الحاج» قائلاً: «حذا الحاج شخصياً حذوهم، وقام بتجهيز حفرة خاصة به».
كذلك أشرف «أبو محمد» على إرسال التعزيزات إلى بلدات الناقورة، والبياضة، وطير حرفا، ومجدل زون، أفراداً وعتاداً، وتحديداً العبوات الناسفة (ضد الأفراد والدروع)، والصواريخ الموجّهة المضادة للدروع. ومن القليلة، أيضاً، أدار «أبو محمد» الالتحامات بين المقاومين وجنود العدو في البياضة. مواجهات «أقلّ ما يمكن وصفها بالبطولية»، يقول رفيق «الحاج»، مضيفاً عند الحديث عن «تجربة تموز» أن الشهيد القائد أرسل مجموعاتٍ «استشهادية» للاشتباك مع العدو عند الشريط الحدودي في بلدة اللبونة، وأشرف في الوقت عينه على إطلاق الصواريخ على الأهداف الإسرائيلية في فلسطين المحتلة.


إبراهيم محمود الحاج «أبو محمد سلمان»
ولد في مشغرة 1970
استشهد في الضابطية/ العراق، 2014



«أبو محمد سلمان» اسمٌ لا يزال يتردّد صداه في عيتا الشعب. عرفه الأهالي بعد أن وضعت الحرب أوزارها. خلال عملية «الوعد الصادق»، تولّى مهمة تأمين القوات المهاجمة، وكان قرار قيادة المقاومة، وفق الخطة المرسومة، يقضي ببقائه في البلدة بعد انتهاء العملية، والإدارة المباشرة للتشكيلات العسكرية المنتشرة فيها، تجاه أي تطور ميداني محتمل. في الحرب، قاد «أبو محمد» خطّة الدفاع عن عيتا الشعب، بدءاً من الحفاظ على مستوى الجاهزية، وانتشار القوات، والتوزيع المتوازن للذخائر والمؤن، وكيفية شحنها، إلى القدرة على الضبط والسيطرة، وصولاً إلى الحفاظ على الثبات والمعنويات المرتفعة. حرص «أبو محمد» على الاطمئنان الدائم على أحوال جرحى المقاومة، ودفن جثامين شهدائها، وإدارة شؤون المدنيين الذين بقوا في عيتا. اختار أن يكون موجوداً في أخطر جزءٍ من البلدة «الحارة القديمة/ حي مصيلح» لصدّ محاولات تقدم العدو المتكرّرة، إذ استطاع ببقائه داخل بقعة العمليات، والتنسيق مع مختلف التشكيلات القتالية (قوات النخبة، التعبئة العامة، المنظمون والمدنيون) من جهة، و«قيادة المقاومة» من جهة ثانية، الإبداع في «تقدير الموقف الميداني»، والحفاظ على وتيرةٍ واحدةٍ من نسقٍ قتاليٍّ منسجم.
أوائل آب 2006، تواصلت مجموعة من «الحارة القديمة» مع «الحاج سلمان»، لإخباره عن تسلّل مجموعة إسرائيلية. توجّه فوراً ليعاين الأمر بنفسه. وفي مسيره، التقى بمجموعة إسرائيلية داخل «كاراج». فوجئ الطرفان، غير أنه كان سبّاقاً إلى فتح النار، وأردى جنود المجموعة بين قتيل وجريح. أصيب الشهيد القائد في قدمه. ضمّدها بنفسه، وتعمّد أن لا يعرف أحدٌ بذلك، حفاظاً منه على معنويات المقاومين المرتفعة. استعصت عيتا على الإسرائيليين بعدما طبّق «أبو محمد» تجربةً قتاليةً جديدة، كرّست نجاح نظام «الدفاع عن بقعة» في المقاومة والاستفادة ــ في الوقت عينه ــ من قواعد النار في القرى المحيطة لهذا الغرض، وهو أمرٌ كان في إطاره النظري قبيل 2006، ما شكّل قيمة مضافة في سجل الشهيد القائد الحافل بالإنجازات النوعية. «لقد كان مفتاح الصمود الأسطوري»، يقول عارفوه، إذ بعثت قيادة المقاومة إلى «أبو محمد سلمان» رسالةً مكتوبةً خلال الحرب، أعربت فيها عن ثقتها به، وسألته «هل تستطيع الصمود والاستمرار؟» فردّ برسالة مكتوبة هو الآخر «نستطيع أن نقاتل حتى آخر نفس. المعنويات مرتفعة»، ليختمها بعباراتٍ إلى السيد حسن نصرالله، قائلاً: «لك رجالٌ لا تهاب شيئاً من جيشهم... اعلم يا سيدنا أن لك في عيتا (ذاكراً العدد)... وأنا باسمهم أقول إننا استشهاديون، وسنبقى نقاتل ونقاتل حتى النفس الأخير».


علي الهادي العاشق «الحاج عباس»
ولد في العين 1973
استشهد في تدمر/ سوريا، 2017



«عنوان بناء القوة والجاهزية»، بهذه العبارة وصف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله «الحاج عباس العاشق» (علي الهادي العاشق). طوال مسيرته في المقاومة التي انضم إليها شاباً، كان مقداماً وساعياً إلى تنمية القوّة العسكرية للمقاومين. أساساً، كان قائداً في «القوّة الخاصة»، التي تشكّلت قبل عام 2000، وتطوّرت بعد التحرير، إلى أن صار أحد القادة الميدانيين للمقاومة في حرب تموز 2006.
فور انتهاء عملية الأسر في 12 تموز 2006، استدعاه الشهيد القائد «ساجد الدوير» إلى الجنوب، لإدارة منطقة «مثلث» دير قانون النهر. بقي هناك أسبوعاً أبدى فيه، غير مرة، انزعاجه الشديد من وجوده في الخطوط الخلفية. وفي كل اتصال مع «الحاج ساجد»، كان الأخير يردّد العبارة نفسها: «اصبر على رزقك». في 19 تموز «جاء الفرج»، وبعد اشتباكات عنيفة دارت في مارون الراس، أوعزت القيادة إلى «الحاج ساجد» بتعزيز مدينة بنت جبيل بالقوّات، وإدارة الدفاع عنها إلى جانب قادةٍ آخرين. هناك، تسلم «عباس العاشق» «كمين البركة»، وهو خط الدفاع الثاني، عن مدينة بنت جبيل، بعد «مربع التحرير» (بنت جبيل، عيترون، عيناثا، مارون الراس).
بقي في «الكمين»، وحافظ على جاهزيةٍ تامة للالتحام مع العدو، رغم عشرات الغارات والقذائف التي سقطت في المكان. فضّلت القيادة أن يتراجع بعد القصف العنيف، رفض ذلك. بقي مكانه إلى أن أُعلن «وقف إطلاق النار».
أبدت القيادة استغرابها لصموده، رغم آثار الدمار في البقعة التي كان فيها. لم تقف حكايات قتاله هناك، بل كان في طليعة القيادات العسكرية التي حررت الأراضي السورية من الإرهابيين، بدءاً من القصير مروراً بحلب والسلسلة الشرقية، وصولاً إلى تدمر ــــ البادية السورية، حيث قضى نحبه فيها.


حسّان هولو اللقيس «الحاج علي»
ولد في بعلبك 1962
استشهد في الضاحية الجنوبية 2013



شكّل حسّان اللقيس، ابن مدينة بعلبك، هدفاً «دسماً» للعدو الإسرائيلي. حساسيّة عمله في قيادة المقاومة ــــ منذ تأسيسها ــــ كانت دافعاً لأن يكون مرصود الحركة بشكلٍ دائم. في حرب تموز 2006، تنقّل اللقيس بين أرجاء الضاحية الجنوبية لبيروت، متابعاً ومشرفاً على «منظومة الاتصالات». كان «القائد الموجّه» كما يصفه من عرفه، وله «بصمته في نجاح المقاومة على صعيد منظومة القيادة والسيطرة، طيلة أيام الحرب»، الأمر الذي شكّل واحدةً من كبرى المفاجآت للعدو.
بحذرٍ شديد، تعامل اللقيس مع خطورة المرحلة (أثناء الحرب وبعدها)، حتى «لا يستغل العدو أيّ فرصةٍ لاغتياله»، على اعتبار أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، تطارده منذ سنوات طوالٍ سبقت تلك الحرب. تنقّل اللقيس وفريقه خلال العدوان، من مكانٍ إلى آخر، بهدف تضليل عيون العدو وعملائه. ورغم كل الإجراءات المتخذة، تعرّض لأكثر من محاولة اغتيال، إذ ترجّح قيادة المقاومة أن يكون هو المستهدف، في الغارة الجويّة التي وقعت بالقرب من كنيسة مار مخايل (الضاحية الجنوبية) مطلع شهر آب 2006، عدا عن العبوة التي اكتشفت «صدفةً» ــــ بعد الحرب مباشرة ــــ في مدينة بعلبك، إذ انفجرت أثناء عملية استصلاح الطريق المؤدية إلى منزله.
بعدها، اتخذ اللقيس بيتاً «آمناً» في شارع الحجاج في منطقة الشياح. تردّد إليه مراتٍ عدّة. وفي 7 آب، قصفه سلاح الجو الإسرائيلي. دُمّر المبنى. في تلك اللحظة، كان «الحاج علي» (اسمه الحركي) في منطقة الطيونة، نجا نصفه، وترك نصفه الآخر تحت الأنقاض، حيث استشهد نجله علي الرضا.
محاولات تصفية «العقل المبدع» لم تتوقف بعد حرب تموز، خاصّةً أن مهمة جديدةً قد أوكلت إليه على الصعيد التكنولوجي، وكانت أكثر حساسيّةً من سابقاتها، وهو أمرٌ لَحِظَهُ العدو جيّداً. قرابة الساعة 12.00 من مساء 3 كانون الأول 2013، وفي منطقة الحدث، قضى حسّان اللقيس نحبه. هناك، سقط شهيداً في عملية اغتيالٍ نفّذها «الموساد» الإسرائيلي.


حاتم أديب حمادة «الحاج علاء»
ولد في القماطية 1971
استشهد في حلب/ سوريا، 2016



مهندسٌ كهربائي مشهورٌ بتواضعه وخجله. من يجهله لا يمكن أن يدرك أنّه قائدٌ ميداني. حديثه ينبئ بذلك. جلسات التخطيط، أو الحضور في الميدان يكشف حقيقته: مخطّطٌ ذكي لعملياتٍ عسكرية عدّة. قائدٌ شجاع يتنقّل بين محاور السلسلة الشرقية لجبال لبنان، ومحاور جبال القلمون السورية، قبل أن يرتقي عام 2016 في حلب. خلال عمليّة الأسر في «خلة وردة» في 12 تموز 2006، تولّى مسؤولية الرشاشات الثقيلة، حيث كان معنيّاً بملف «الدفاع الجوّي». مهمة حاتم اقتضت أن يشتت نيران العدو، التي قد تصل إلى المجموعة المهاجمة، المناط بها أسر الجنود الإسرائيليين.
بعد العملية النوعية، انتقل الحاج علاء سريعاً إلى «غرفة العمليات المركزية» في الضاحية الجنوبية. لم يمنعه ذلك من أن يتردد مراتٍ عدة الى الجنوب تارةً، وإلى البقاع تارةً أخرى، على قاعدة «الحاجة العملانية، وضرورة الوجود»، دون أن يكتفي ببذل جهوده وخبراته في منطقة واحدة. وإن اقتضت الأحداث بأن ينتقل من منطقة إلى أخرى، لا يعبأ بالأخطار التي قد تلاحقه.
متابعٌ ميدانيٌّ عن كثب، يجيد التعامل مع التفاصيل بشكل دقيق. اشتهر بقيادته اللامركزية لكل مجموعات «الدفاع الجوي» على مستوى لبنان، وتميّز باستشرافه في نشر القوّات وقبضات سلاحه في الأماكن الصحيحة. قد يكون أكبر مثال على ذلك، طلبه من أحد المقاومين الوقوف في مكان مشرفٍ على «تلة مريمين»، غربي ياطر (القطاع الأوسط)، بعدما تبين من القصف الإسرائيلي المُركّز، وتحليق طائرات الرصد فوق منطقة محددة أن إنزالاً قد يحصل هناك. وقف المقاوم، ووجّه صاروخاً تجاه المروحية الإسرائيلية من نوع «شينوك» (الإسم الأميركي)، أو «يسعور» (الإسم العبري) أي «الدبّور». أطلق المقاوم صاروخ «وعد». سقطت المروحية في الوادي، لتخطّ المقاومة إنجازاً جديداً في الجوّ... كما في البرّ والبحر.


محمد حسن قانصو «ساجد الدوير»
ولد في الدوير 1966
استشهد في بيت ياحون 2006



الأربعيني محمد قانصوه عُرفَ بـ«ساجد الدوير» أو «ساجد الخاصّة»، بين رفاقه المجاهدين. التحق بالمقاومة باكراً؛ لم يكن يومها قد أتمّ عامه العشرين. راصداً ومستطلعاً ومقاتلاً، راكم «ساجد» خبرةً عسكريّةً هائلة. ورغم صغر سنّه، أدى الشهيد القائد دوراً أساسيّاً في تشكيل نواة «القوّة الخاصّة» في المقاومة، متولّياً مهام مختلفة حتى بات قائدها قبيل عام 2000. خَبر «ساجد» مواقع العدو الإسرائيلي، مشاركاً في عمليات نوعيّة، مستطلعاً ومهاجماً وملتحماً.
عام 2005، أوكلت قيادة المقاومة إلى «ساجد» قيادة «عملية الغجر» (أسر جنودٍ إسرائيليين) وتحديداً الهجوم من الناحية الشرقية. صحيحٌ أن العملية قد فشلت نتيجة «عقدةٍ قتالية» مفاجئة، غير أن الرجل حافظ على عزيمته، من دون أن ينعكس «الإخفاق في تحقيق الهدف» على معنوياته أو حضوره، بل شكّل ذلك دافعاً لأن يكون أحد المشاركين في عملية «الوعد الصادق»، قائداً للمجموعات المعنية بالتعامل مع المواقع الإسرائيلية لحظة أسر الجنود في «خلة وردة» في 12 تموز 2006.
عاد «ساجد» إلى صور، حيث لبث هناك أيّاماً عدّة، قبل أن يتوجّه إلى بنت جبيل، حيث أدار المعركة إلى جانب رفيقه «الحاج قاسم» (خالد بزي) ورفاق آخرين، مشرفاً على محور بنت جبيل ــ بيت ياحون ــ عيناتا. جُرح «ساجد» في الحرب 3 مرّات. ينقل أحد من كانوا معه أن «الدماء التي غطّت ثيابه كانت دماء جنود العدو، فقد اشتبك معهم من على بعد أمتارٍ قليلةٍ جدّاً»، الأمر الذي دفع بالعدو إلى التشويش على الأجهزة اللاسلكية الخاصة بالمقاومين، والقول: «لقد قتلنا ساجد الدوير...»، يؤكّدون.
في آخر أسبوعٍ من الحرب، أمرت قيادة المقاومة «ساجد» بالانتقال إلى بيت ياحون لإدارة المعركة من هناك. وفي طريقه، تعرَّض لإصابة ثانيةٍ في رجله. لازم «غرفة عملياته» متابعاً ومشرفاً لصدّ أيّ التفافٍ حول مدينة بنت جبيل. أصيب للمرّة الثالثة، كانت إصابةً قاتلة. يروي من كان معه أن آخر كلمات «الحاج ساجد» كانت: أنا سوف أستشهد... لا تدع الإسرائيلي يأخذ جثتي.... إن النصر قريبٌ جدّاً.


ناصر أحمد العيتاوي «الحاج أبو الفضل»
ولد في اللبوة 1972
استشهد في بيروت 2008



من الأساسيين في «وحدة التدريب» في المقاومة، وأحد وجوهها البارزين. قائد عسكري من «الطراز الرفيع»، بوصف عارفيه. قبل عملية «الوعد الصادق»، كان معنيّاً عن تدريب «القوّة الخاصّة»، ومع اندلاع الحرب، وتطبيق «خطط الانتشار» ــ وفي اليوم الثالث تحديداً ــ طلبت منه قيادة المقاومة التوجه على رأس قوّةٍ من المدرِّبين إلى منطقة البقاع الغربي، ومنها الالتحاق بـ«الجبهة». أسبابٌ لوجستية حالت دون تقدّمه. تمركز في البقاع الغربي سبعة أيام، عَمِلَ فيها على تقديم الاستشارات والخطط، والمساهمة الميدانية في زرع العبوات ونشر الكمائن. بعد ذلك، طُلب منه العودة إلى زحلة فوراً؛ حيثُ انتقل منها على رأس قوة قتالية كبيرة إلى بيروت للمباشرة بتدريبات معيّنة إحداها تأهيل «نظري» على سلاح «B 29» المضاد للدّروع (كان من القلّة العالمة بوجوده، وكيفية استخدامه)، ومن ثم توزيعها ــ بشكل متفرّق ــ على محاور القتال. في اليوم 16 من الحرب، وصل الحاج ناصر إلى النبطية، حيث كان ضمن فريقه الشهيد المسعف مصطفى أمهز «دماء» (عمل بدوره طيلة أيام الحرب على مداواة الجرحى). ثم انتقل الشهيد القائد ومن معه إلى «مشروع الطيبة». هناك، وبالرغم من تعرضه لغاراتٍ عدّة، عمل على إدارة العمليات ميدانياً بحرفية عالية (تعزيز التشكيلات، توزيع الكمائن والعبوات، وقبضات ضد الدروع...)، إلى أن أعلن عن وقف «إطلاق النار». بعد الحرب، وبأمرٍ مباشر من «الحاج رضوان»، شُكّلت «قوّة التدخل» (جزء أساسي من قوات الرضوان حالياً/ النخبة)، كان لـ«أبو الفضل» دوراً بارزاً في تأسيسها، ليكون بذلك أوّل قائدٍ لها، حتى استشهاده عام 2008.


محمد وهبي سرور «الحاج جهاد»
ولد في عيتا الشعب 1970
استشهد في باريش 2006‏



لم يألف محمد وهبي في مسؤولياته «الضوء» كثيراً، فالصورةُ أحياناً «تغيّب» جهداً بُذل قبيل انطلاق أيّ عمليّة. عُرف الرجل بـ«الحاج جهاد الدعم». في الاصطلاح العسكري، يعني اللفظ «الدعم اللوجستي»، أي «البنية التحتية» للقوات العسكرية. وهو ركنٌ أساسي من أركان الجيوش النظامية (إلى جانب العمليات، والمعلومات، والموارد البشرية)، وسبب رئيس لنجاح أي عمليةٍ أو مهمة، مهما كان نوعها وحجمها. بصمة «جهاد» كانت حاضرةً في عمليات المقاومة قبيل التحرير في عام 2000، فقد كان أحد قادة «ركن الدعم». ينقل أحد مجايلي الشهيد أنّه كان معنيّاً بتأمين السلاح والعبوات (بمختلف أنواعها) وفقاً لـ«حاجتها العملية»، عدا عن المؤن وما يحتاج إليه المقاومون خلال قيامهم بواجباتهم.
مع الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، حرص «جهاد» على تفريغ مستودعات العدو وعملائه، على قاعدة أن «هذا السلاح سيأتي يومٌ ونستخدمه مجدّداً»، مردّداً ذلك أمام المجاهدين، ومتنقّلاً بين قريةٍ وأخرى، من بنت جبيل إلى مرجعيون وما بينهما. كل ذلك تعزيزاً لإمكانات المقاومة وقدراتها التسليحية. وحين أوعز «المعاون الجهادي»، الحاج عماد مغنية، بضرورة تفجير مواقع العدو، كان «جهاد» أوّل المنفذين، ملبّياً احتياجات «سلاح الهندسة» من ذخيرةٍ وعبوات.
راكم الشهيد وإخوانه طوال سنواتٍ ست، غداة التحرير، مختلف أنواع الأسلحة، تحسّباً لأي مواجهة مع العدو، إذ كان مسؤول «الدعم» في منطقة جنوب الليطاني حاضراً وبشكلٍ مباشرٍ في الميدان، ومنفّذاً بـ«احترافيّةٍ عالية» كل ما يطلب منه، كما ينقل عارفوه. في عملية «الوعد الصادق»، كان «الحاج جهاد» معنيّاً بـ«دعم العملية»، وتأمين كافة احتياجاتها اللوجستية. واكب شخصياً مناوراتها المختلفة، متابعاً احتياجات المنفذين المختلفة. ومع اندلاع الحرب، كان مسؤولاً عن رفد «الجبهة» بمختلف أنواع الأسلحة «من الطلقة... حتى الصاروخ»، إلى أن استشهد بغارةٍ استهدفت مقرّه في بلدة باريش الجنوبية.