كانت «زمبيلي» واحدة (قفّة شباك) تحمل في جوفها 13 كيلوغراماً من سمك السلطان ابراهيم. اليوم، صار من يأتي بربع تلك الكمية عند ميناء برج حمود ــــ الدورة سلطاناً. بعد السلطان ابراهيم، راح اللقّز الرملي والحفش والجراوي وغيرها الكثير. «ذابت» كلها بعدما استحال البحر مزبلة بسبب مشروع «رأس المال» لردم البحر. صيادون كثر يبحثون عن رزقٍ آخر، فيما بقي هنا فقط «طويل الروح»... وحجر الأساس الذي وضعه وزير الأشغال العامة والنقل السابق غازي العريضي لمشروع توسعة الميناء.

بيديه المجبولتين بخمسة وخمسين عاماً من التعب، يرمي شاكر شباكه في البحر، كآخر محاولة ينهي بها يوم عمله الطويل. قبل تلك المرّة، رمى الثمانيني شباكه ثلاث عشرة مرّة، لم يأتِ منها بكسرةٍ تسدّ جوعه. مع ذلك، سيكمل آخر محاولات خيبته المستمرة منذ عامين. منذ «رموا أوّل رفش زبالة بالبحر». هكذا، يؤرّخ شاكر لنهاية رحلته مع البحر، تلك التي بدأت في خمسينيات القرن الماضي عند ميناء الصيادين في برج حمود ــــ الدورة. وفي المرة الأخيرة، سيعود شاكر بلا غلّة ولا حولٍ ولا قوة. سيرمي شباكه عند «عتبة» البحر، ويلجأ إلى كوخ ألواح «الزينكو» ليريح تعبه قبل أن يعود إلى العمل الخائب قبل الغروب بوقتٍ قليل. يعني «الساعة 6». هو لا يملك ساعة يدٍ، لكنّه يرقب موقع الشمس عندما يرجع إلى عمله. هكذا، يحفظ شاكر الوقت.
شهر وثمانية عشر يوماً من العمل هناك، لم يأت منها سوى بـ120 ألف ليرة... بالتقسيط. يعني «شي 5 آلاف كل نزلة»، هي أصلا بلا قيمة. مع ذلك، سيكمل عدّ أيامه هناك بلا ظفر، كما «سانتياغو»، الصيّاد العجوز في رواية «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي، الذي أمضى في البحر ثمانين يوماً من دون أن «يظفر» ولو بسمكة واحدة. هو مثل سانتياغو أيضاً، لأن لا مكان آخر له غير هذا البحر، وإن كان يصرّ في كلّ مرّة على التذكير بأن البحر «مات». يشير بيده إلى المياه أمامه، ويقول بنبرة حاسمة: «البحر خلص راح. تعيشوا، إلا طويل الروح ما رح يضل». يكمل سرد حكايته التي بدأها في عمر مبكر: «صرلي 55 سنة بالمي، بس بعد ما شفت متل هالوقت». شاكر هو الصياد الأعتق في الميناء. هو «يا نمرة 1 يا نمرة 2»، يقول، ويعرف متى وصل البحر إلى موته. يذكر أنه «قبل عامين، وتحديداً عندما بدأوا يرمون النفايات في البحر، بدأت أشعر بأن الرزق لم يعد بخير، بعدما فقدنا أنواعاً كثيرة من السمك متل اللقّز الرملي».
في إحدى المرات سحب شبكه مليئاً بالنفايات «والتنك والحديد». يومها، لم يجد شيئاً ليفعله «سوى فرز النفايات وبيع الحديد والتنك لآكل». تحوّل من صيّاد الى بائع خردة، يلملم من البحر ما ترميه الشاحنات المحمّلة بالنفايات فيه. هذه ليست حالته وحده. هي حال الكثير من الصيادين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين جبل نفايات وبركة استحدثت فوق ما ردم من البحر قبل عامين لطمر النفايات.
هكذا، لم يبق من مهنة الصيد البحري سوى الإسم في الميناء هناك. يترجم الصيادون هذا الواقع بما يعطيهم إياه البحر هذه الأيام. من هؤلاء جورج طوق، الذي يرافق البحر منذ العام 1980. يومذاك، كان طوق يرمي «زمبيلي» واحدة (قفّة مكوّنة من ثماني شباك)، ليأتي منها بـ«13 كيلو سمك سلطان ابراهيم». اليوم، صار «السلطان ابراهيم حلماً، ولا بـ20 زمبيلي بيعلق سمكة». أقصى ما قد يصل إليه الصيادون في الموسم كلّه هو «2 الى 3 كيلو سلطان». ومن يأتي، أصلاً، بهذه الكمية ــــ على ضآلتها ــــ «بيكون مادد عدّة بشي 10 آلاف دولار»، يقول طوق. لكن، لا أحد اليوم يملك تلك العشرة، جلّ ما يفعله هؤلاء للملمة رزقهم، الذي صار شحيحاً، هو الإستدانة من محال الشبك المجاورة «عدّة لكل يومٍ بيومه». وما يعلق من سمكٍ في الشبك يباع لسداد جزءٍ من اللائحة التي تطول يوماً بعد يوم.

شاحنات «الزبالة الفلت»
منذ سقط أوّل «رفش» نفايات في البحر، يتكئ الصيادون على ذاكرتهم. لم يعودوا يملكون سوى الحكايات يروونها لمن يسأل عن حالهم اليوم. طوق، مثلاً، في مثل هذه الأيام التي يأت معها موسم «سمك الجراوي»، يستعيد أمام جالسيه «الليالي اللي كنت إرجع فيها حامل سمك جراوي بمليون و300 ألف». اليوم، لم يعد يأتي من الموسم كلّه بأكثر من 100 ألف ليرة. البحر لم يعد يضحك، وفيه أطنان من «الوحل والنايلون والزبالة».
اللقز الرملي صار أشبه بالحلم أيضاً، حتى «الشرك بـ150 صنارة لا يأتي بكيلو واحد»، والحفش أيضاً انتهى. باختصار «الوضع تعتير»، يستطرد طوق. ولأنه كذلك، «حصّل» الأخير مركبه إلى الشاطئ للصيانة. ولكن، على ما يبدو أن انتظار ذلك المركب سيكون طويلاً عند عتبة البحر، لعدم توفّر المال مع صاحبه. يقول طوق «تبلغ تكلفة صيانته 3 آلاف دولار لا أملك منها فلساً».

توقفت الدعوى التي رفعتها مجموعة من الصيادين على الشركة المتعهدة في مكتب القاضية غادة عون


سيأوي طوق إلى غرفة الزينكو إلى حين توفّر مال الصيانة، فيما الشاحنات المحمّلة بالنفايات ستكمل عملها في عقر دار رزقه، محميّة من الصيادين أنفسهم. هذا ما يقولونه هناك. تمرّ الشاحنات من أمام مركزي التعاونيتين (اللتين فصلتهما السياسة ومن ثمّ أزمة النفايات والمال واللتين تضمان 558 صياداً بينهم 450 هاوياً و61 أصحاب مراكب)، وكأن لا شيء يحدث. جلّ ما يفعله الصيادون تحت هو عدّ الشاحنات والتأفف. وفي غالبية الأحيان، ينسى هؤلاء إلى أين وصلوا في العدّ لكثرة الشاحنات العابرة. خلال ساعة ونصف ساعة من الوقوف هناك، مرّت عشرون شاحنة: واحدة تأتي محملة بالنفايات تسلك الطريق المختصرة التي توصلها إلى حيث البركة المستحدثة. ترمي ما تحمله وتعود أخرى من هناك محمّلة بالردم تسلك طريقاً فرعية نحو «الجبل» المقابل وتختفي خلفه.
يتحدّث الصيادون عن «مصاري يتقاضاها «البحرية» من المتعهّد داني خوري لتسهيل مرور الشاحنات، «كل شهر 10 ملايين ليرة بيوزعوها على بعضهن»، يقول الصياد وسام فرنسيس. لا تهدأ الحركة بين البركة والجبل. شاحنات تأتي محملة وتعود محمّلة. عادة، ما تكثر حركتها بين الرابعة عصراً والسادسة صباحاً. في تلك الفترة، ينزل الصيادون إلى البحر. غالباً، ما يترك بعضهم الصيد ليتفرّج على الشاحنات وهي تحوّل هيئة البحر. على مقربة من الجزء المردوم من البحر «الريحة بتقتل وبتضل توصل لحدود 3 كيلومتر بعيداً عن المكان»، يقول فرنسيس.
تعبق رائحة النفايات ليلاً. ولذلك سببان، بحسب فرنسيس، أولها «هوا الليل بيقلب شمال فبتصير الريحة تجي صوبنا». أما الثاني والمفجع، فهو تهريب النفايات «الفلت» لرميها هناك ومن ثم إخفائها بالرمال والردم. وثّق فرنسيس تلك «اللحظات» بكاميرا هاتفه ونشرها كإخبار للقضاء، لكن أحداً لم يتحرّك، حتى الدعوى التي رفعتها مجموعة من الصيادين على الشركة المتعهدة لـ«مشروع النفايات» منذ العام 2016، لا تزال عالقة في مكتب القاضية غادة عون. وهي التي أرفقوها بتقرير مصدّق لنتائج عينات المياه «التي فحصتها الطبية في الجامعة الأميركية في بيروت نجاة صليبا وعادت بنتائج كارثية». مع ذلك، توقفت الشكوى.
مرّ الموسم الأول والصيادون في موسمهم الثاني. «النفايات الفلت» على عين القانون تدفن في البحر. البحر ميت. البحريون يقبضون ثمن موت البحر. والقضية عالقة في إحدى غرف قصر العدل. ولا أحد سيتحرّك. يتحدّث فرنسيس عن عصارة النفايات التي «تهرول» مسرعة نحو البحر. صوّرها وأرسلها إلى النائب بولا يعقوبيان. صنعت منها الأخيرة «فضيحة». كان ذلك أول «إنجازاتها». لكن، الردّ جاء هزيلاً: سدّ ممرّ «زوم» النفايات بالتراب. فرنسيس، الذي يرافق البحر منذ كان في العاشرة، انتقل مؤخراً من صيد رزقه إلى صيد الشاحنات بكاميرا هاتفه. حفظ الصيّاد كيف يجري ردم البحر بالنفايات. يقول «بيحطوا الزبالة المكبّسة بالأكياس تحت وفوقها الزبالة الفلت وفوقها الرمل وبيحدلوها». يحدث هذا في الليل. صباحاً، «تتفرطع» النفايات في البحر ومعها عصارة النفايات التي تأتي على «شكل رغوة».
وماذا يفعل الصيادون؟ «لا شيء»، يقول فرنسيس. «إما يقبضون أو غير قادرين». يقول الأخير بأنه حرم من عضوية النقابة لأنه يقول «الأشياء بأسمائها». يتحدّث عن فضائح ومافيات «آخر إبداعاتها بيع مواقف لمراكب الصيد بما بين 3 آلاف و5 آلاف دولار للموقف الواحد». زاد غلّة تلك التجارة «مع زيادة عدد المواقف من 316 موقف إلى 730 مؤخراً».

البحر «ما بيضحكش»
«قرّب لنقلهن وين كان البحر»، يطلب «الريّس» فرنسيس من علي، سائق المركب الخشبي «لونا» أن يسير بمركبه باتجاه «السيتي مول». تبدأ الرحلة إلى البحر من موقف المراكب. هنا، عند «باب» البحر، تنبئ هيئة المواقف بما سيكون عليه البحر. مراكب متهالكة محشورة في المواقف التي تكاد تسدّ الروح في الميناء، ترسو فوق مياه انقلب لونها إلى رمادي. ممر ضيّق للعبور إلى البحر، وعلى جانبيه نبتت الكثير «من الأشغال العجيبة»، يقول فرنسيس، منها مثلاً الأملاك العامة التي يستغلّها البعض لصيانة يخوت الأغنياء والسياسيين والأملاك الأخرى «المباعة» لصناعة المراكب أو استخدامها كمواقف.

لم يبق من مهنة الصيد البحري سوى الإسم في ميناء برج حمود ــ الدورة(مروان طحطح)

شيئاً فشيئاً، يتسع الممر ليفتح على البحر. لكنه، لم يعد يشبه «الإتساع ما قبل العام 2016»، تحديداً منذ بداية مشروع ردم البحر. يتيقن الصيادون بأنه «قريباً سيردم هذا المدخل». هذا ما يشي به مدخل المشروع، الذي يلتصق بمواقف المراكب. من هناك حتى الـ«سيتي مول»، ردم البحر وبنيت بركة عملاقة لتجميع النفايات. لا تهدأ حركة العمل فيها وعلى أطرافها تقام جدران الدعم، التي لا وظيفة لها سوى إخفاء جريمة قتل البحر بالنفايات. على مقربة من الصخور العملاقة التي نقلت لطمر البحر، طغت رائحة النفايات على رائحة البحر. واختلطت المياه بالأوساخ من أكياس نايلون إلى الأخشاب العائمة على سطح المياه إلى أدوات التجميل إلى الثياب. «بتاع كلّو»، يقول الصيادون. أما ما «يحرق القلب»، فهو الرغوة العائمة. تلك التي «تفرطعت» من عصارة النفايات. وبقع الزيوت التي خلفتها المراكب الكبيرة. رؤية البحر عن قرب «مش متل السمع»، على ما يقول المتل.
عبارة شاكر التي قالها عن موت البحر بدت لافتة في المياه التي اختلطت بنفايات مشروع الدولة لردم البحر. يطلب «الريّس» من علي أن يخفّف سرعة مركبه كي يأخذ عينة من المياه ليسلمها للمختبر. ينحني إلى المياه ويملأ سطلاً من النفايات. لم يتقصّد أن يلتقط هذا الكم من النفايات، إذ لم يكن بحاجة لذلك، مع تحوّل البحر إلى مزبلة. من هناك، يمكن رسم صورة لما يحدث، خصوصاً مع «المشاهدة الحيّة» للشاحنات وهي ترمي أحمالها. ينتظر فرنسيس بكاميرته كيف سيكشف الغطاء عن النفايات «الفلت» التي رميت في البركة وردمت بالرمل، وكأنّ شيئاً لم يكن.
فضائح ومافيات آخر إبداعاتها بيع مواقف لمراكب الصيد بما بين 3 آلاف و5 آلاف دولار للموقف الواحد


مات البحر. الرائحة لا تطاق. مع ذلك، اعتادها الصيادون. لكن، ما لم يعتده هؤلاء هو كيف فقدوا رزقهم؟ يتذكر فرنسيس أنه خلال الموسم الذي يبدأ في نيسان حتى «تشارين»، كان يجني «من 60 إلى 70 ألف دولار». اليوم، خفّ الرزق «90%». وهذه ليست مبالغة. هذا واقع يختبرونه في كل يوم. فرنسيس الذي يقضي في عمله من الساعة الرابعة بعد الضهر حتى الثامنة صباحاً من اليوم التالي، جني من مركبه «318 ألف ليرة، منها 150 ألف ليرة للوقود، فيما الباقي يقسّمه بينه وبين العاملين معه وعددهم 5». يعني «شي 30 ألف ليرة لكل حدا».
في أيام العزّ، رهن فرنسيس منزله لشراء مركب كبير بقيمة 40 ألف دولار. في حينها، كان العمل «ماشي». استطاع أن يشتري من عمله في المركب مركبين كبيرين آخرين و8 مراكب صغيرة. اليوم، لم تعد تجني له هذه الأخيرة شيئاً، عرض مركبين منها للبيع «لنعيش»، ويفتّش عن عملٍ آخر، وإن كان حتى اللحظة لم يجد ما يناسب. اعتاد الأخير صحبة البحر. لا يعرف كيف يعمل بعيداً عنه. هو «ريّس» هنا. يصعد إلى مركبه. يقول «يا رب وبمشي وبتجي الرزقة». لا يعرف بديلاً.
عندما بدأ فرنسيس عمله في البحر كان عمره 10 سنوات، كان يجرّ جاروفة البرّ بخصره. عملت فيها سنوات طويلة وكان يجني منها، إلى أن جاء وزير الزراعة في حينها، حسين الحاج حسن، وأوقف جواريف البحر. كانت تلك الصفعة الأولى التي لحقتها صفعة مشروع الدولة مؤخراً.
انتهى كلّ شيء. بقي حجر الأساس عند مدخل الميناء الذي وضعه وزير الأشغال العامة والنقل السابق، غازي العريضي، والذي كان يهدف إلى توسيع الميناء. وغرف الصيادين التي لم يكتمل العمل فيها منذ أربع سنوات. يقول فرنسيس «يأتون في كل يوم يضعون بلاطتين ويرحلون». 4 سنوات، فيما «الأتننيت» الذي أهداه يوماً النائب السابق ميشال فرعون للغرف المبعثرة خلف المشروع الجديد تتساقط أجزاء منها كل يوم.
بعد موسمين بلا عمل، بات الصيادون على يقين أن البحر مات وأن من يأتي إلى هنا «يا بيروح ميّت يا الدولة بتطلّعو».