بدل أن يقيّم وزير البيئة طارق الخطيب تجربة فتح «موسم» الصيد البري في عهده، العام الماضي، بدأ بالتحضير لتمديده! وبدل الإنصات لآراء علماء الطيور، آثر الاستسلام لمصالح تجار أسلحة الصيد وذخيرتها! وبعدما كان قد انحاز بشكل كلي لمطالب الصيادين والتجار في اجتماع المجلس الاعلى للصيد البري الاسبوع الماضي، عاد امس ــــ بعد اعتراض الجمعيات على تمديد «الموسم» وتعديل لائحة الطرائد المسموح صيدها ــــ ليفتح المجال للنقاش مع هذه الجمعيات اذا كانت لديها أدلة علمية!

كثيرون من البيئيين العلميين تحفظوا عن قرار فتح «موسم» الصيد العام الماضي، وهو قرار لم يجرؤ عليه أي وزير بيئة منذ بداية التسعينيات تقريباً. الا أن الخطيب خالف كل التوقعات والنصائح العلمية التي كانت تطالب بالتشدد في تطبيق قرار منع الصيد (الذي لم يكن محترماً) وتشجيع استبدال هذه الهواية القاتلة بهوايات بيئية كمراقبة الطيور وتصويرها... فأصرّ على فتح «الموسم»، وأراد في اجتماع المجلس الاعلى الخميس الماضي، وفي مؤتمره الصحافي امس، ان يتوج ولايته بمشروع قرار بتطويل عمر «موسم» الصيد المقبل وتعديل لائحة الطرائد... خلافا للقانون رقم 580 الصادر العام 2004!
ففي اجتماع المجلس الاعلى للصيد البري، في حضور ممثلي الوزارات المختصة وتجار أسلحة الصيد وذخيرتها ونوادي الصيد والرماية وممثل عن الجمعيات (عبر عن نيته بالاستقالة بعد هذا الاجتماع) وآخر عن الخبراء، جرى البحث في فتح «موسم» الصيد البري للعام 2018 وتحديد الطرائد، وتم في نهايته الخضوع لرأي تجار أسلحة الصيد وذخيرتها بتمديد «الموسم»، ليبدأ في آب وينتهي في شباط. وفي هذا إبادة حقيقية للطيور. إذ أن آب هو شهر تربية صغار الطيور، وشباط هو شهر تجانسها! وهذا ما يخالف المادة الثالثة من القانون 580 التي تنص على مراعاة تطبيق مبدأ الاستدامة للتراث الطبيعي المنصوص عليه في الاتفاقيات الدولية، بحيث يمنع الصيد في موسم تكاثر الحيوانات والطيور وأثناء عبورها نحو أماكن تفريخها او أثناء رعايتها لصغارها. علماً أن رعاية الصغار في بلدان المتوسط تمتد حتى أوائل أيلول، وأن التفريخ عند البوم والطيور الصغيرة المقيمة يبدأ في شباط. كما أن المادة 4 من القانون تنص على أن المجلس الأعلى للصيد البري يقترح على وزير الوصاية اتخاذ قرارات بخصوص الأوقات التي يسمح فيها بصيد الطيور والحيوانات العابرة للحدود، وليس الطيور المقيمة. ومعلوم أنه في شباط ليست هناك طيور مهاجرة.
المجلس وافق أيضاً على تعديل لائحة الطرائد المسموح صيدها لتتضمّن الترغل، مخالفا ما تنص عليه المادة 4 التي تمنع صيد كل طائر مهدد بالانقراض عالمياً او مدرج على اللائحة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة كما هي حال هذا الطير. كما سمح، في مخالفة للقانون، باصطياد عصفور التيّان الذي يأتي من أوروبا ويفرّخ في لبنان، ويصعب على الصيادين تمييزه عن عشرة أنواع أخرى شبيهة له مهددة بالانقراض.
يمكن تفهم مطالب تجار اسلحة الصيد وذخيرتها بتمديد موسم الصيد 50 او 60 يوما، ما يعني زيادة في الارباح في سوق تقدر قيمتها بـ20 مليون دولار (يستهلك لبنان 40 مليون طلقة خرطوش سنوياً، 15 مليوناً منها تدخل عن طريق التهريب)… لكن ما لا يمكن فهمه، او تفهمه، موقف وزير البيئة المؤتمن على حماية التنوع البيولوجي ووجود الطيور، وليس على مصالح التجار!
الجمعيات المعنية بقضايا الطيور في لبنان أصدرت بياناً اعترضت فيه، بالإجماع، على هذه التوجهات. وهو تطور مهم يدل على سوء ادارة وزير البيئة لهذا الملف (كما غيره من الملفات) أكثر مما يدل على قوة موقف الجمعيات وحسن تنسيقها في ما بينها وحسن تمثيلها في اللجان الرسمية. صحيح أن ممثل الجمعيات في المجلس الأعلى اعترض على القرارات الأخيرة، إلا أنه لا يمكن تفهّم موقف ممثل الخبراء وممثل الجمعيات في التكتم على المعلومات والمداولات وكأن هناك من يصدّق أنه فعلا في «مجلس أعلى» للامن القومي، وليس في «مجلس الخرطوش»، مع معرفتهم بأن الأمن البيئي في لبنان هو أساس أي أمن آخر، بيئياً واقتصادياً وغذائياً وحتى شخصياً…
بناء على ما حصل، وبما أن الوزير فتح باب الحوار مع الجمعيات امس لامتصاص النقمة، وبعد أن وصلت الشكاوى الى القصر الجمهوري، على الجمعيات والخبراء أخذ العبرة. إذ أن تقديم تنازلات العام الماضي للقبول بفتح «موسم »الصيد بدل طلب التشدد في تطبيق قرار المنع الكلي للصيد، والتنازل عن المطالبة بتعديل القانون لجعله أكثر تشدداً في حماية الطيور ومحاربة هذه «الهواية» القاتلة... جعلهم اليوم مطوّقين بقرارات تفرض عليهم مزيداً من التنازلات، لم يعد يمكن مواجهتها الا بالاستقالة. وبما أن الخطيب اوحى انه مستعد لسماع آراء الجمعيات المعترضة اذا كانت لديها أدلة علمية (علماً أن هذه الأدلة ليست متوفرة لديه للسماح بصيد اي طائر)، يمكن استغلال هذه الفرصة للمطالبة بتقييم تجربة فتح الموسم والترخيص لـ16 ألف صياد من أصل 300 ألف محتملين، لمعرفة من التزم ومن خالف… إضافة الى المطالبة بإجراء دراسة شاملة حول وضع الطيور (قد تحتاج إلى سنوات) قبل القبول بإعادة فتح «الموسم» من جديد. كما يفترض اعادة النظر بالقانون 580 الذي اقر عام 2004 في عهد وزير بيئة صياد، لم يستجب آنذاك لطلب اعادة النظر في كل المفاهيم، لا سيما «الصيد» و«الموسم» و«المجلس الاعلى» و«الطرائد» و«الهواية»...الخ.