جاء الخليجيون إلى بحمدون في خمسينيات القرن الماضي وتملّكوا فيها. فضّلوها على سواها من مناطق الاصطياف لقربها من الساحل أولاً، ولطيب مناخها وصحّة هوائها. يشير رئيس بلديّة بحمدون المحطة أسطا أبو رجيلي إلى «أن الأسباب الطبيّة دفعت كثيرين من الخليجيين إلى زيارة الضيعة. ومع شيوع أخبارها، بدأ الخليجيون بالتّوافد إلى المنطقة لجمالها وهدوئها وسوقها التّجاري المميّز، وبدأت استئجار البيوت للسّكن والاصطياف فيها».

أولى عمليات الشّراء بدأت مع الفنادق، بحسب أبو رجيلي. وبحمدون في الأساس تشكّلت من «مجموعة أراضي ضُمّت إليها من القرى المجاورة وكانت مسكونة من غير البحمدونيّين». لا يرى الرئيس أي «سلبيّات» لموجة التّملّك «القديمة نسبياً» خصوصاً أنه «منذ السبعينيات والثمانينيات تملك الخليجيون أراضي وعقارات وشققا كثيرة في بحمدون كما في بيروت». الأموال والاستثمارات الخليجيّة التي تقاطرت بعد الحرب على البلد وأفادت من رغبة كثيرين في بيع أملاكهم في الجبل، عادت وتراجعت بعد 2005 ثم 2011. الأحداث السياسية الداخلية واندلاع الأزمة السورية أدّيا إلى إقفال العديد من المحلات، لكن «لم تدفع الأزمة بالخليجيين إلى بيع أملاكهم، بل توقفت عمليّات البيع والشّراء فقط، رغم تراجع حركة اصطيافهم وسياحتهم في بحمدون». ومن موقع العارف برأي السكان، يؤكد أبو رجيلي أنه لا توجد اعتراضات على مسألة التملّك، ويعقّب: «أهل المنطقة معروفون بانفتاحهم وكرمهم وحسن ضيافتهم».

شوارع بأسماء البيارتة
لا يكترث الياس، ابن بحمدون، للمسألة برمّتها: «ضيعتنا طول عمرها هيك». هنا لا تطبيق لقانون تملك الأجانب، وربما تملك الخليجيين سبق أول مرسوم نظم «ملكية غير اللبنانيين» عام 1969. لكن سكان القرى المجاورة لبحمدون المحطّة يبدون خوفهم من امتداد التملّك إلى قراهم وأوّلها بحمدون الضّيعة. جورج، مثلاً، وهو من سكّان تلك القرى، يرتّب الأوراق على المكتب أمامه ويختصر موقفه بكلمات معدودة: «تغيّر ديموغرافي يلوح في الأفق». «التغيّر الديموغرافي» الذي يقصده، هو في الواقع تغيّر في الأملاك وأصحاب الأرض أكثر مما هو تغيّر سكاني طالما أن أصحاب تلك الأملاك لا يزورون المنطقة إلاّ في الصيف.

35 في المئة من الأملاك في المدينة للخليجيّين و35 في المئة للبيارتة والباقي لأهلها

ذاك التغيّر يتخطّى حدود بحمدون المحطّة ويمكن أن ينسحب على بطلّون، صوفر، حمانا، الشبانيّة، قبيع، العباديّة، قرنايل وغيرها. لكن الشراء في تلك القرى لا يزال محدوداً فيما تبقى «حصة الأسد» لأملاك الخليجيين في بحمدون المحطة. وهذا ما يؤكده رئيس البلدية إذ يشير في معرض كلامه عن الأرقام إلى أن «35 في المئة من الأملاك في بحمدون تعود لخليجيّين، و35 في المئة للبيارتة. والباقي لأهل بحمدون». حضور العائلات البيروتية امتدّ إلى أسماء الشوارع مثل المشنوق وصبرا وبحصلي، الأمر الذي يربطه أبو رجيلي بالواقع الموجود: «هيك ربينا». وفيما تنحصر الأملاك بيد 65 بحمدونياً فقط، من أصل 1400 نسمة، ينفي الرئيس حدوث تغيّر ديمغرافي إذ «إن كلّ من دخل بحمدون صار من أهل البيت». المدينة، كما يصفها، «صالون القرى المجاورة ومدينة جامعة ومستقطبة للجميع، وملتقى لأكثر من 35 ضيعة... وما رح تتغيّر».

جمود في العقارات
شهدت أسعار العقارات في بحمدون تقلّبات كثيرة خصوصاً في التسعينيات، بعد انتهاء الحرب اللبنانية. يتراوح سعر المتر الواحد للشقق حالياً «بين 1300 دولار وألفي دولار»، أمّا متر الأرض فيرتفع «من مئة دولار إلى ستمئة دولار» بحسب المهندس وليد عبد النور الذي تعهّد العديد من مشاريع البناء في المنطقة لخليجيّين وكويتيّين بشكل خاص. وإذ يرتبط ارتفاع الأسعار في بحمدون بارتفاع أسعار العقارات في لبنان بشكل عام، يربط عبد النور المتغيّرات في بحمدون «بالحرب السورية التي أثرت بشكل كبير على سوق العقارات حيث سيطر الجمود على القطاع، وبنتيجتها تناقصت زيارات الخليجيين إلى لبنان وفضّل عدد قليل منهم بيع أملاكه». لكن سوق العقارات يمرّ اليوم، وفق المهندس، بـ«فترة استقرار»، والمالك الخليجي «لا يبيع ولا يشتري». ومن خلال تقييمه لتملّك البيارتة والخليجيين، يعتبرعبد النور أن «موجة التّملك لا تعني أن أهل المنطقة يتخلّون عنها» فمن باع غلبته الحاجة: «بدو يعلّم أولاده ويعيش».

حضور العائلات البيروتية امتدّ إلى أسماء الشوارع مثل المشنوق وصبرا وبحصلي


«ما في شغل» بالنسبة للدّلال وليم متى، «منذ 2011 غابت الاستثمارات وأصبحت بحمدون خالية من الخليجيين ومكاناً لتناول القهوة فقط». أما أسعار العقارات فتختلف بين داخل القرية «حيث تبدأ بخمسمئة دولار»، بينما تبدأ على الطريق العام أي خط الشام «من الألف دولار وما فوق». متى الذي ينظر إلى معادلة «60 بالمئة للخليجيّين و40 بالمئة لأهل بحمدون» بأسف، يرى أن دور البلديّة في كلّ هذا «هامشي». لكن دور الحرب لم يكن هامشياً في يأس الأهالي من الدمار الذي طال بحمدون والقرى المجاورة، مما جعل كثيرين منهم يغادرون رافضين العودة إلى الخراب والذكريات الموجعة. أولئك باعوا أراضيهم للأقارب في أحسن الأحوال وللخليجيين عندما لم يجدوا بديلاً.