ما أعلنه رئيس الحكومة سعد الحريري عن اجتماع مستشاره للشؤون الروسية جورج شعبان بالديبلوماسي الروسي ميخائيل بوغدانوف، واطّلاعه منه على المقترحات الروسية لتنظيم عودة النازحين السوريين، ومنها تشكيل مجموعة عمل لبنانية ــــ روسية تردّد أنها ستعقد اجتماعها الأول، قريباً، في بيروت، لا يعدو كونه قنبلة دخانية ومحاولة التفاف مكشوفة على ما أعلنه رئيس الجمهورية عن تكليف اللواء عباس إبراهيم الإمساك بالملف رسمياً.

لم تكد تنتهي قمّة هلسنكي، على وقع تحرير الجيش السوري لمحافظتي درعا والقنيطرة من المجموعات الإرهابية، حتى تقدّم ملفّ النازحين السوريين في دول الجوار السوري إلى الواجهة. الخلاصة التي أفضت إليها خسارة المحور المعادي لسوريا مناطق نفوذه شيئاً فشيئاً، حوّلت ورقة النزوح، في دول الجوار تحديداً، من ورقة ابتزاز للسوريين في السياسة والأمن والديموغرافيا، إلى عبء على المتمسّكين بها سابقاً.
الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة سعد الحريري مثلاً، أدار «الأذن الطرشاء» طوال المرحلة الماضية لأي محاولة أو مبادرة للبحث عن حلول حقيقية لأزمة النزوح السوري في لبنان. أمّا الآن، فقد بات منطق الدفع باتجاه التنسيق مع سوريا، وأحد أبرز عناوينه الرسمية، المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، هو النموذج المنتج في إعادة السوريين إلى بلادهم. وحين قرّر حزب الله بدوره التحرّك، ولحقه التيار الوطني الحرّ، وبدأت قوى أخرى حليفة لسوريا، مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي بالعمل، قرّر الحريري أن يلتحق بالرّكب، لكن بالمواربة!
قبل يومين، انشغل الوسط السياسي بخبر لقاء مستشار الحريري للشؤون الروسية جورج شعبان بنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، وترحيب الحريري بالإعلان الروسي عن مقترح روسي لإعادة السوريين إلى بلدهم من دول الجوار. وعَبَّر الحريري، عبر مستشاره، عن ترحيبه بالخطوة ـــ التي حظيت بموافقة أميركية مسبقاً ــــ التي «قد تؤدي إلى وضع خطّة مشتركة لعودة النازحين السوريين إلى بلادهم».
غير أن خطوة الحريري تلك، على إيجابيتها، لا تعدو كونها قنبلة دخانية، رماها الأخير متأخراً. فالحريري، أوّلاً، لم يختر الطريق الرسمي، عبر السفارة الروسية في بيروت أو السفارة اللبنانية في موسكو، لبدء عمل جدّي، بل اختار العلاقة الشخصية التي تربط مستشاره بالمسؤولين الروس، لتظهر خطوته أنها إعلامية أكثر منها عمليّة. والحريري، ثانياً، لم يعد باستطاعته تجاهل الوقائع والأزمات التي تضج بها مناطق انتشار تيار المستقبل في لبنان، كالشمال وبيروت وجبل لبنان والبقاعين الأوسط والغربي وعرسال والعرقوب، بل صار يدرك جيّداً أن التواصل الرسمي اللبناني ــــ السوري وعودة العلاقات الرسمية بين البلدين إلى أوجها، أصبحا مسألة وقت، وهو يحاول الهرب من هذا الاستحقاق عبر اللجوء إلى وسيط، هو روسيا في هذه الحالة، تفادياً لاضطراره كرئيس للحكومة اللبنانية إلى تفعيل العلاقات اللبنانية ــــ السورية أو إعطاء ضوء أخضر سياسي في هذا الاتجاه.
ولا يجوز إغفال حقيقة أن الخطوة التي أعلنها حزب الله ومن بعده التيار الوطني الحر بتشكيل لجان متخصصة لإعادة النازحين السوريين، تحرج الحريري أمام جمهوره، وتمنح المكسب الشعبي لأخصامه، فيما يبدو هو، مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات سمير جعجع، بمثابة المشاركين، ولو بشكل غير مباشر، في توطين النازحين السوريين في لبنان.
منذ عام ونصف، تجهد الدبلوماسية الروسية في لبنان في البحث عن أفكار ومقترحات تسهم في إعادة النازحين السوريين، بعيداً عن انتظار مشاريع الأمم المتّحدة التي لا تصيب هذه الغاية في العمق. وقد راكمت الدبلوماسية الروسية تنسيقاً مستمراً مع الأمن العام اللبناني ومع وزير الخارجية جبران باسيل لخدمة الهدف المتمثل في عودة النازحين، فيما لم تجد تجاوباً من الحريري وفريقه مع أي من الأفكار المطروحة، بل على العكس، وجدت تمسّكاً بالرؤية الغربية التي تصوّر سوريا مكاناً غير آمن لعودة النازحين، وتفضّل الاحتفاظ بورقة النزوح في الداخل اللبناني لاستخدامها في السياسة. لم تقف الدبلوماسية الروسية عند هذا الحدّ، فالسفير الروسي في بيروت ألكسندر زاسبيكين والمعنيون بالشأن اللبناني في وزارة الخارجية الروسية، لطالما شجّعوا اللبنانيين، وتحديداً الحريري، على ضرورة التواصل الرسمي مع سوريا وإعادة تفعيل العلاقات بين الجانبين، وكانت هذه الطروحات تقابل دائماً بذرائع تتعلق بالضغوط الخارجية.
وبالتوازي مع الجهد الدبلوماسي، كان المستشارون الأمنيون والعسكريون الروس في وزارة الدفاع الروسية يعملون بصمت على وضع الرؤى اللازمة لمساعدة دول الجوار على إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم بالتنسيق الكامل مع الجهات الرسمية السورية، على غرار ما كان يحدث في لجان العمل داخل قاعدة حميميم، مع اقتناع وزارة الدفاع الروسية بأن استعادة الجيش السوري للسيطرة على كامل البلاد مسألة وقت. وبالفعل، أطلقت وزارة الدفاع الروسية قبل عشرة أيام، مع المعنيين في سوريا ومكتب الأمن الوطني السوري، لجاناً سورية ــــ روسية مشتركة للبحث في مسألة عودة النازحين السوريين في دول الجوار، وهذه اللجان يمكن أن تتوسّع لتصبح لجاناً ثلاثية ينضم إليها ممثلون عن لبنان أو الأردن، وتوّجت الخطوة بإعلان وزارة الدفاع افتتاح مركز لهذه الغاية في سوريا.
لكنّ سوريا، كما هي الحال في موقفها من مسألة المعابر الحدودية ومن التنسيق الأمني مع الدول الأوروبية وغيرها، ممن يريدون العون السوري في الأمن، لكنّهم يتهرّبون من إعادة التمثيل الدبلوماسي، لن تمنح شيئاً في المجان، وعلى ما تؤكّد مصادر دبلوماسية روسية لـ«الأخبار»، فإن «الجانب الروسي لا يُقدم على خطوة تعارضها دمشق»، وإن «أي نشاط يخصّ النازحين لا بدّ أن يحظى بموافقة سوريا وبممر التنسيق مع أجهزتها الرسمية».

مصادر روسية لـ«الأخبار»: «الجانب الروسي لا يُقدم على خطوة تعارضها دمشق»


وفي السياق، ذكرت مصادر أمنية سورية رفيعة المستوى أمام زوّارها اللبنانيين، الأسبوع الماضي، أن «سوريا تتعامل مع اللواء عبّاس إبراهيم بوصفه مبعوثاً رسميّاً ومندوباً رئاسيّاً لبنانياً»، وأن «أي تنسيق في مسألة النازحين يمرّ عبر هذه القناة». وتضيف المصادر أنه إن «كان هناك حاجات لبنانية لرفع وتيرة العمل على إعادة النازحين والجوانب الأخرى، فإنها لا بدّ أن تتم عبر القنوات الرسمية بين البلدين».
من جهة ثانية، تقول مصادر وزارية سورية لـ «الأخبار» إن «مسألة فتح المعابر الحدودية وعودة خطوط الترانزيت، تستوجب تفعيل القنوات الرسمية بين لبنان وسوريا، لا سيّما أن هناك تعرفات جديدة للعبور في الأراضي السورية بعد فتح المعابر الحدودية، وهناك إجراءات جديدة يجب تنسيقها مع لبنان، في قطاعات التجارة والجمارك والزراعة والصناعة وغيرها».
من جهة ثانية، أبلغ اللواء عباس إبراهيم «الأخبار»، ليل أمس، أن قافلة جديدة من النازحين السوريين في منطقة عرسال تقدر بنحو ألف مواطن ستعود اليوم إلى الأراضي السورية، عبر معبر الزمراني.