مجلس شورى الدولة، هو المحكمة العليا التي تتولى القضاء الإداري، تعود نشأته للعام 1924، أي سابقٌ بوجوده للدستور اللبناني، ويستفيد من الضمانات الدستورية المقررة للقضاة والمتقاضين. ويتميز المجلس بأنها يختص بالنظر في المنازعات التي تختصم فيها الإدارات العامة، ما يجعله محلّ تماسٍ مباشر مع السلطة السياسية، وبخاصةٍ عندما ينظر بمراجعات إبطال مراسيم (مثل الطعن بمرسوم دعوة الهيئات الناخبة، او مرسوم منح الجنسية، أو قرار مجلس الوزراء بإنشاء مراكز طمر النفايات إلخ...).

القضايا التي ينظر فيها مجلس الشورى، تكون في أغلب الأحيان محل اهتمام الرأي العام (مثل النظر بمراجعة الطعن بقرار الترخيص لشركة باستثمار شبكة الألياف الضوئية، أو قرار تصديق مناقصة المعاينة الميكانيكية، أو قضية الترخيص لمشروع الإيدن باي، أو تخصيص جزء من عقار لإنشاء مستشفى في حرش بيروت). وإذا كانت هذه القضايا متصلة بممارسة السلطة، فإن من صلاحيات مجلس الشورى، النظر في الطعون المتصلة بتكوين السلطة الإدارية، وبخاصة الطعون البلدية والاختيارية، والطعون المتصلة بتعيين موظفين أو وضعهم بالتصرف أو عزلهم.
وفي معرض النظر في المراجعات، فإن مجلس شورى الدولة يضع المبادئ الأساسية التي تسهم في سير الإدارات العامة وحفظ مصالح المواطنين، وأبرزها مبدأ الحماية الدستورية للأملاك العامة، مبدأ حماية الملكية الفردية، بيان تاريخ سريان استقالة الوزير، ضمان ممارسة الهيئات اللامركزية لصلاحياتها، وتكريس موافقة المجالس البلدية على مشاريع تعديل النطاق الإداري للبلديات.
هذه العيّنة البسيطة، إضافة إلى الكم الكبير من الأحكام، وبعضها يتضمن لمسات خاصة في بيان كيفية تطبيق القوانين، يستوجب أوسع احتضان لمجلس شورى الدولة، الجهة القضائية العاملة بصمتٍ وحزمٍ، والملتزمة كمؤسسة وكقضاةٍ بمبادئ العمل القضائي، بدليل الحرص على عدم الإخلال بالقواعد الناظمة لعمله وعدم التهاون عند الخروج عن أصول العمل القضائي، وعدم انتظار أي تدخلٍ خارجي من أجل التحرك، ولهذا يقتضي التعامل مع القضايا التي تعني المجلس بكثير من العناية والحكمة والتقدير، وفي الوقت نفسه، يفترض بنا الحفاظ على استقلالية القضاء الإداري المكفولة بنظام مجلس شورى الدولة الذي منع في المادة 29 منه أن يلاحق أعضاء مجلس شورى الدولة بالجنايات والجنح المنبعثة عن الوظيفة إلا بعد استشارة مكتب المجلس وبناء على طلب وزير العدل، وفي المادة 23 من هذا النظام فإن التحقيق مع أيّ قاضٍ في هذا المجلس معّلق على إذنٍ من وزير العدل، لذا فإن النائب العام التمييزي إذا كان يملك صلاحية الملاحقة وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، فإن هذه الملاحقة لا تلغي الحصانات الخاصة المقررة في الأنظمة الخاصة بحيث يتوجب عليه قبل الشروع بالملاحقة الحصول على إذن وزير العدل وبعد استشارة مكتب مجلس شورى الدولة.
فاستقلالية القضاء الإداري عن القضاء العدلي، قد أقرّها المجلس الدستوري في قراره رقم 5 تاريخ 27/6/2000 الذي قضى: «بأن مكتب مجلس شورى الدولة يتمتع، فيما عنى القضاة الإداريين بالصلاحيات نفسها التي يمارسها مجلس القضاء الأعلى تجاه القضاة العدليين، وهو يعتبر مؤسسة أناط بها القانون مهمة السهر على حسن سير القضاء الإداري وعلى هيبته واستقلاله وحسن سير العمل فيه، وتأميناً لقيامه بهذه المهام، فقد أشركه في تعيين القضاة ونقلهم وتأديبهم. وإن إنشاء مجلس قضاء أعلى ومكتب مجلس شورى الدولة لدى كل من القضاءين العدلي والإداري يعتبر أحد أبرز الضمانات لحماية استقلال القضاء في مفهوم المادة 20 من الدستور». ثمّ بيّن المجلس الدستوري «خصوصية القضاء الإداري التي ترتبط بعناصر متشابكة يعود بعضها إلى مصدر مبادئ القانون الإداري وقواعده وطبيعة المنازعات التي تدخل في صلاحيات القضاء الإداري وأطرافها والامتيازات التي تتمتع بها السلطة العامة، كما يعود إلى الهدف الذي تسعى الدولة إلى تحقيقه، أي المصلحة العامة».
هي مهمة لها خصوصية يؤديها مجلس شورى الدولة، وقد حتّمت عليه التحلي بالشجاعة الأدبية التي هي مواجهة لا هروباً، صلابة تجعل القاضي لا يتعثر قلمه، فيقول نعم، ولو كان الرابح هو الأوضع، ولا، وإن كان الخاسر هو الأرفع، يقيم العدالة واثقاً بنفسه متصدياً لأي محاولة لإضعافه. قد يكون القاضي في موضع حرج، وقد يتعاظم هذا الإحراج بالنظر إلى الخصوصيات السلبية التي تطبع مجتمعنا اللبناني، فمن العلائق الشخصية، إلى سطوة المال، إلى النفوذ السياسي، إلى ما سوى ذلك من ظواهر تواجه القاضي حاملة معها الرغبة في التأثير في قراره. ولكن قاضي مجلس شورى الدولة في أكثر اللحظات حرجاً لن ينسى أن القرار بيده، والقلم بيده، فيكتب ما يمليه عليه الضمير، ويواجه بالشجاعة الأدبية.
* أستاذ جامعي