قبل أيام، أعلن الأمن العام اللبناني عن الأسباب الحقيقية لتوقيف المدعو روني ضومط واستمرار التحقيقات مع المدعو أمين اسكندر رئيس ما يسمّى «المجلس السرياني الماروني»، وذلك بتهمة التواصل مع العدو الإسرائيلي في السويد. وبحسب المعلومات، فإن الأمن العام كان ينتظر استكمال التحقيقات وتحويل اسكندر إلى النيابة العامة قبل الإعلان عن الإنجاز الأمني. إلّا أن البيان الذي صدر عمّا يسمّى «التحالف الأميركي ــــ الشرق أوسطي للديموقراطية» مُوجّهاً لوزير الخارجية جبران باسيل، واتهم لبنان بتوقيف «ناشطين موارنة» ينشطون في مجال «الحفاظ على اللّغة الآرامية»، إنما جاء استباقاً لزيارة باسيل، أمس، إلى واشنطن للمشاركة بمؤتمر «الحريات الدينية في العالم» الذي تنظّمه للمرّة الأولى وزارة الخارجية الأميركية، ودفع بالأمن العام اللبناني إلى الكشف عن نتائج التحقيقات الأوليّة مع ضومط، واعترافاته بزيارة السفارة الإسرائيلية في السويد ولقائه مع ممثّلين عن العدو الإسرائيلي أكثر من مرّة في استوكهولم.

لكن، وبعيداً من تحقيقات الأمن العام، فإن ضومط واسكندر، ليسا إلّا حلقة من مشهد أكبر، ترسمه إسرائيل منذ نشأتها على أرض فلسطين المحتلّة، بالّلعب على وتر الأقليّات والحريات الدينية في الشرق، عبر استغلال العصبيات الدينية والإثنية وترسيخها وتسويق إسرائيل نفسها حامية للأقليات، والدفع نحو تشكيل كيانات ودويلات إثنية تمنح الغطاء للدولة اليهودية، من كردستان العراق إلى جبل لبنان.
قبل أربع سنوات، وبعد زيارة البطريرك بشارة الراعي إلى فلسطين المحتلّة بمدّة قصيرة، أقرّ الكنسيت الإسرائيلي تغيير تصنيف الموارنة الفلسطينيين في سجلّات الدولة اليهودية من «فلسطينيين عرب» إلى «آراميين»، في خطوة لتعميق الشرخ بين مكوّنات الشعب الفلسطيني، وتحويل المسيحيين الفلسطينيين إلى «شعب»، على أن يتبع هذا الأمر قانون يحوّل الدروز الفلسطينيين أيضاً إلى «الشعب الدرزي»، في خطوات تحضيرية لإعلان يهودية الدولة.
والأسوأ، هو استغلال لغة السّيد المسيح، الآرامية، رمز المحبّة والتسامح في الشرق والعالم، في سياسة ممنهجة لربط الدين بالعرق وتشكيل هويّة عنصرية، تفرز شعوب المشرق إلى طوائف وجماعات متناحرة. في الوقت الذي تحالف إسرائيل «جبهة النصرة» والتنظيمات المتطرفة وتمدّها بالسلاح والتمويل، وهي التنظيمات التي عملت طوال سنوات الحرب السورية على تهجير السوريين، وبشكل خاص المسيحيين، وطمس معالم المسيحية الأولى في سوريا، لا سيّما مدينة معلولا التاريخية، آخر حواضر الآراميين المشرقيين وقلعة اللغة الآرامية على شرق المتوسط.
وكان سبق إعلان الكنيست تحويل الموارنة الفلسطينيين إلى «آراميين» بحسب مصادر كنسية فلسطينية، خطوتان مهمّتان. الأولى، هي تكليف وزير الاتصالات في حكومة العدو، أيوب القّرا (درزي) بملفّ التطبيع مع الدول العربية والعمل في الداخل الفلسطيني على تهيئة الأرضية المناسبة بين الأقليات الفلسطينية لاستيعاب إعلان يهودية الدولة. والثانية، تكليف النقيب الاحتياطي في جيش العدو الإسرائيلي (ملازم أول مظلّي) المدعو شادي خلّول (فلسطيني ماروني من قرية كفربرعم شمال فلسطين)، بملفّ الموارنة الفلسطينيين واللبنانيين لخلق الأطر المناسبة لاستقطاب هؤلاء، تحت عنوان حماية «اللّغة الآرامية»، والسعي لإنشاء دويلة مارونية في جبل لبنان على غرار الدويلة اليهودية، بذريعة تعرّض المسيحيين اللبنانيين للاضطهاد.
والجدير ذكره أن شادي خلول هو أيضاً مؤسس ورئيس «الجمعية الإسرائيلية المسيحية الآرامية» (المنتدى الذي قدّم اقتراحاً للكنيست بإعلان الموارنة الفلسطينيين «آراميين»)، وهو الناطق الرسمي باسم «منتدى ضباط قوات الدفاع الإسرائيلي المسيحية» ومؤسس برنامج «التحضير ما قبل العسكري للشباب اليهودي ــ المسيحي»، وأول مرشّح من الطائفة المارونية الآرامية باسم الحزب اليهودي الصهيوني في انتخابات الكنسيت عام 2015.
وينشط خلّول بالتوازي، مع منصّة أخرى تدعى «مشروع فيلوس»، وهي مؤسسة يهوديّة أميركية أهدافها المعلنة «تسويق الاختلاط المسيحي في الشرق الأوسط»، وظيفتها «مد الجسور بين المسيحيين واليهود»، ويرأسها المدعوان ريتشارد نيكلسون ومستشاره لوك مون، وسبق لهما أن زارا لبنان في أيلول الماضي.
وبحسب المعلومات، فإن «المجلس السرياني الماروني» الذي يرأسه أمين اسكندر وعضوية روني ضومط، تمّ تأسيسه خلال مؤتمر «فيلوس» الأخير في نيويورك في 20 أيار عام 2017، ويعدّ اسكندر مسوّق مشروع خلّول في لبنان، الذي يعمل على أن «ينعم الموارنة الآراميين في جبل لبنان بالأمان وبالسلام مع إسرائيل».

يصوّب اسكندر على المطرانين صياح ومظلوم اللذين يعتبران نشاطه إسرائيلياً


غير أن اللافت للانتباه، أن اسكندر وضومط، يملكان شبكة واسعة من العلاقات مع السياسيين المسيحيين اللبنانيين، وسبق أن شارك العديد من هؤلاء بمؤتمرات مع خلّول في السويد وفي الخارج. وبعض السياسيين اللبنانيين، وقعوا في فخّ تلبية دعوات اسكندر وضومط للمشاركة في احتفالات في السويد تحت مظلّة المغتربين اللبنانيين، ومنهم وزير الخارجية جبران باسيل نفسه الذي وجّه رسالة عبر الفيديو لما أسماه «الشعب الآرامي» خلال زيارته إلى بروكسيل في 14 أيار الماضي، والنائب أنطوان حبشي والنائب السابق إيلي ماروني والمسؤول الكتائبي سيرج داغر ورئيس الرابطة السريانية في لبنان حبيب أفرام، والنائب نديم الجميّل، الذي سارع لممارسة الضغوط للإفراج عن ضومط واسكندر بعد توقيفهما. وعلى ما كان يسوّق اسكندر قبل توقيفه، فإن مشروعه يحظى بتفهّم من غالبيّة السياسيين الذين التقاهم تحت عنوان «حماية اللغة الآرامية»، إلّا أنه يلقى اعتراضاً ومواجهة قويّة من داخل البطريركية المارونية في لبنان، لا سيّما من المطرانين سمير مظلوم وبولس صيّاح، اللذين رفضا طروحاته وحذرا منه لأنه «يمثّل مشروعاً إسرائيلياً».



مؤتمر «الحريات الدينية» ويهودية الدولة!
وصل الوزير جبران باسيل إلى الولايات المتّحدة الأميركية، أمس، وذلك للمشاركة في مؤتمر من تنظيم وزارة الخارجية الأميركية، تحت عنوان «الحريات الدينية في العالم». ويعتبر المؤتمر الأوّل من نوعه من تنظيم وزارة الخارجية، في الوقت الذي تنشط العديد من المؤسسات الأميركية اليهودية، لتنظيم مؤتمرات من هذا النّوع، تتخذ من حقوق المسيحيين المشرقيين وحقوق مسلمي الروهينغا، ذرائع لتسويق أفكارها. وبحسب الإعلام الأميركي، فإن المؤتمر يضم ممثّلين رسميين لثمانين دولة حول العالم على مستوى وزير، ومئات منظمات «المجتمع المدني»، الذين خصصت لهم وزارة الخارجية يوماً كاملاً، بهدف تعريفهم على الدور الذي يجب أن يضطلعوا به لـ«حماية الحريات الدينية» وكيفية الحصول على التمويل الأميركي ونوعية المشاريع التي يمكن أن تموّلها المؤسسات الأميركية. وتقيم وزارة الخارجية الأميركية المؤتمر، بعد أيام على إعلان الكنسيت تحويل إسرائيل رسمياً إلى وطن قومي لليهود، وقوننة مشروع عنصري من هذا النوع، بمباركة أميركية. ومن المتوقع أن يشارك البطريرك الماروني بشارة الراعي في المؤتمر، فيما يغيب عنه بطريرك الأرثوذكس يوحنا اليازجي.