ليس حبّاً بذكر المجازر، لذاتها، وليس بدافع مِن مازوشيّة جماعيّة، كما ليس أنساً بانكسار لتأبيده... بل، وببساطة، لأنّ تلك الأشياء حصلت، ثم طُمِست أو تكاد. لأنّ ذاك الكيان، الإسرائيلي، الداخل اليوم في «صفقة عصر» لكسب شرعيّة، أخلاقيّة وأشياء أخرى، هو مَن فعل تلك المجازر، ولم يتنصّل مِنها... هذا إن كان للسيف أن يتنصّل مِن غمده. لأنّ هناك مِن ولد وشبّ على حياة، هنا، ولم يُحط بتلك الفظاعات علماً. لأنّ القاتل، الذي خرج عنده مَن أرّخ لأفعاله، نسبيّاً، فيما كان القتيل يُلملم ما بقي مِن حياة، ثم يُهمَل مِمّن أؤتمن على تلك الحياة. لأنّ هناك مَن قصّر، وهناك مَن استسهل، وهناك مَن ضحك أو بكى ورحل. لكلّ ذلك، وأكثر، نورد اليوم حكايات بعض تلك المجازر، على ضحالة ما في الأرشيف، فضلاً عن شحيح الذاكرة الشفويّة، بعد طول المدّة، ليعرف مَن لا يَعرف، اليوم، وليَعرف مَن سيأتي بعدنا، غداً، أنّ ذلك حصل، بعض مِمّا حصل، في تموز وأقرانه من أشهر وأيام وسنين وعقود.


طار مِن حضن أمّه، بعيداً، خارج السيّارة. يسقط في «نقعة» ماء. كان علي رضيعاً لم يُكمل عامه الأوّل. ماتت أمّه، والده، جدّته وسائر أخواته وأخوته. ماتت عائلته داخل تلك السيّارة. ظلّ هو حيّاً. حصل هذا في جنوب لبنان، في قرية صغيرة اسمها كونين، في قضاء بنت جبيل، قبل أربعين عاماً. يعيش علي اليوم هناك. عمره مِن عمر «مجزرة كونين». لولا امرأة تعبر، لاحقاً، بعد رفع الجثث، الأشلاء، لكان قد التحق بعائلته. لكن الأطفال يبكون. بكاؤهم، في الأحوال العاديّة، نداء استغاثة، فكيف الآن برضيع جريح وقد أصبح يتيماً. أنقذه بكاؤه. لصوت بكاء الأطفال قدرة رهيبة ضدّ عدم اكتراث الكبار. سمِعَته تلك العابرة هناك، فاقتربَت، بحثَت، وجدَته فحملَته: يا بُشرى هذا طفل.

أمام «الجبّانة»
كانت السماء تُمطِر حمماً إسرائيليّة. غارة تلو أخرى، مِن مارون الراس مروراً ببنت جبيل، فتلّة مسعود وأخواتها، وصولاً إلى كونين وأبعد. كان ذلك ضمن «عمليّة الليطاني» (اجتياح آذار عام 1978). يشتد القصف على كونين. تُهدم بيوتٌ فوق رؤوس قاطنيها. عائلات تُباد. يرى درويش طعمة ذلك: إلى أين المفرّ؟ لديه سيّارة. وضع عائلته داخلها وانطلق. الزوج والزوجة و8 أطفال وجدّتهم، ها هم 11 شخصاً، بل 12 شخصاً، إذ كانت الزوجة حاملاً. في إحصائيّات الضحايا، عادة، هل يُحسَب الأجنّة؟ كيف اتسعت لهم السيّارة؟ مَن عاش حرباً يعرف كيف. الفرار مِن الموت يصنع المستحيل. تكدّسوا. وصل درويش، وكان ما زال ضمن القرية، إلى أمام «الجبّانة» (مقبرة القرية). هناك، تماماً، انتهى كلّ شيء. دبّابة «ميركافا» تقصف السيّارة. ممنوع الهرب.
نجا علي مِن المجزرة عندما كان رضيعاً، إذ طار إثر القصف مِن حضن أمّه بعيداً

ماتوا جميعاً، باستثناء علي، الذي طار بعيداً، إضافة إلى أخيه حسين، الذي يكبره ببضع سنين. الأخير عدّوه بداية ضمن الراحلين، إذ اختلط لحمه بالحديد، قبل أن يُسحب ويبدأ رحلة علاج طويلة. عاش. ما زال، إلى اليوم، يُعاني جسديّاً. يعيش اليوم في كونين، مع أخيه علي، ويعملان معاً في محطّة وقود بوسط القرية. التقيناهما هناك. لا يبدو علي محبذاً لفتح السيرة. يقبل أن نلتقط له صورة. ليس لديه ما يقوله. صحيح، كان رضيعاً. أمّا حسين، الذي كان طفلاً أيضاً، يتحدّث أكثر، لكن أيضاً ليس كثيراً: «غبت عن الوعي وقتها، فقت وغبت، صفي دمّي، متت وعشت». وفيما يُعدّد مَن فقد في المجزرة، يشرد في ذهنه بعيداً، يتوقّف عن الكلام، ثم يعود، كمن يُجاهد في تذكّر ما لا يُودّ تذكّره. ملاحظة: «نقلونا بالتراك (جرار زراعي) ودفنونا بالحاكورة». هو لم يُدفَن، ولكن «دفنونا». وقعت المجزرة عند مدخل المقبرة. مصادفة رهيبة. كأنّ الإسرائيلي أراد أن يقول لتلك العائلة: القرية أقفرت، ومَن ظلّ فليلازم بيته، لذا سأسعفكم بأن أقتلكم حيث تُدفَنون عادة. مَن قال إنّ القتلة لا يُحبّون فعل «الخير» أحياناً؟

السقف لا يكفي
لم يُحاول درويش، والد العائلة المقتولة، مغادرة القرية إلا بعدما رأى فظائع بعينيه. ثلاثة منازل، قريبة مِنه، سُوِّيت بالأرض. ثلاثة منازل، شبه متّصلة، هُدِمَت فوق رؤوس مَن ظنّوا أنّ السقوف المتينة، نسبيّاً، ستكون كافية لنجاتهم. لعلّه مجرّد الأمل. أصلاً، ما مِن خيار آخر. منازل تتوارى، بعض الشيء، تحت جلّ تُرابي. قصَدها بعض أهل القرية، إلى جانب أصحابها، للتواري فيها. للأُنس بآخرين أيضاً. هي شبه «ملجأ». لا ملاجئ محصّنة في هذه البلاد. ما مِن صلابة، يومها، تقوى على حِمَم أحدث سلاح جوّ في العالم.
كان موسى خليل خارج لبنان. كان في دولة عربيّة. سَمِع أنّ العدوان الإسرائيلي بدأ على لبنان. سَمِع، بعد ذلك، أنّ قريته تتعرّض للقصف. سَمِع، أخيراً، أن طفله محمد، ابن الخمس سنوات، قُتِل بفعل «قازان» إسرائيلي.

أربعون عاماً على نجاة علي وحسين

دُمِل طفله إلى جانب 20 شخصاً (تقريباً) في تلك المنازل المقصوفة. يعيش أبو محمد اليوم في كونين. أصبح سبعينيّاً. لو عاش ابنه لكان اليوم عمره 45 عاماً. يعيش الوالد في منزل عند طرف القرية، ولا يُفارق بندقيّة الصيد التي قبيل وصولنا إليه «تصيّد» بها أفعى حاولت دخول داره. يقضي أيامه برفقة صديقه القديم أبو توفيق حيدر، ويبدأ سرد ما رأى بُعيد عودته، السريعة، إلى لبنان، إثر المجزرة. يحكي الحكاية. إلى جانب طفله، وفي القصف نفسه، فقد موسى خليل أمّه (خديجة درّة) وشقيقه عبد الله (12 عاماً) وشقيقته سهام (15 عاماً)، إضافة إلى عمّه (الذي قتِل مع عائلته). يتحدّث عن عبد الكريم فوعاني، الذي قُتل في المجزرة، إلى جانب زوجته فاطمة وطفلها "الذي كان على يدها". يَحكي عن طفل نجا، عمره نحو أسبوعين، وذلك «بمعجزة، لأنو كان ملفوف بحصيرة، فما تأثر كتير بالردم». يروي حكاية شقيقات له، بقين أحياء، لكنهنّ اليوم «شبه أموات». عشن مع معاناة جسديّة. يقول: «راجعنا سبب القصف يومها، فقالوا كان في مخرّبين (مقاومين). لكن لمّا رفعوا الأنقاض ما لقوا مخربين، لقوا جثث أطفال وبنات وعجزة وآمنين، هيدي إسرائيل يا عمّي». اليوم، في مكان المجزرة هذه، عند المنازل المهدّمة، ثمة لوحة رخاميّة متواضعة كُتِبت عليها أسماء بعض مَن قضوا: «الشهداء المظلومون: الحاج محمود موسى خليل، الحاجة فاطمة عباس شبلي، صباح محمود خليل، زمزم محمود خليل، زينب محمود خليل، مع 11 شهيداً، استشهدوا مِن جرّاء العدوان الإسرائيلي في 15/3/1978». حصيلة «مجزرة كونين» في ذلك اليوم وصلت إلى 30 شهيداً «تقريباً». غالباً، وكأنّها صفة مشتركة في كلّ المجازر الإسرائيليّة التي حصلت، على طول الصراع، يُقال في بلادنا «تقريباً». تلك تُقرن بالحصيلة. كأنّ ثمّة ما يُعجِز عن الحسم في الأرقام. هذه حكاية أخرى. هذا وجع مِن نوع آخر. هذه مجزرة قائمة بذاتها. إسرائيل تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل ساعة يد عميل أعدم، ونحن نعتمد الـ «تقريباً».

دورة الزمن
بعد نحو 8 سنوات على المجزرة، التي أصبحت القرية توسم بها، كان المكان على موعد مع وسم جديد، لكن هذه المرّة في الاتجاه المُعاكس. كانت القرية قد أصبحت محتلّة، على نحو دائم، وذلك إثر الاجتياح الإسرائيلي الذي وصل إلى العاصمة بيروت (1982). تأتي «عملية كونين»... أو «عملية الأسيرين». تنجح المقاومة عام 1986 بأسر جنديين إسرائيليين مِن قلب كونين، بعمليّة نوعيّة جريئة، غير مسبوقة، بقيادة شاب اسمه سمير مطّوط. تحتفظ المقاومة بالأسيرين بانتظار عملية تبادل ما. لاحقاً، يستشهد مطوط في عمليّة أخرى. يحتجز العدو جثمانه. بعد خمس سنوات تنجح المقاومة في دفع العدو إلى إطلاق سراح عشرات الأسرى وجثامين الشهداء مقابل (فقط) تقديم معلومات عن الأسيرين: إنّهما ليسا على قيد الحياة. بعد 10 سنوات على العملية تحصل عملية التبادل الثانية، إطلاق سراح أسرى واستعادة جثامين شهداء، مرّة أخرى، وهكذا يعود جثمان الشهيد مطوط إلى أهله بفضل العمليّة التي كان قادها هو نفسه. كانت تلك حالة إنسانيّة فائقة. كانت مناسبة خلّدت اسم كونين، القرية الجريحة، لكن الآن كقرية ينطلق مِنها زمن جديد.
كان أبو محمد خارج لبنان عندما علِم بمقتل طفله داخل المنزل الذي هُدِم بالقصف


موسى خليل، الذي قُصِف منزل ذويه قبل 40 عاماً، وخسر عائلته، عاد الإسرائيلي وقصف منزله عام 1985 للمرّة الثانية، ثمّ قصفه مرّة ثالثة في حرب تمّوز عام 2006. في المرّة الأخيرة كان المنزل واحداً مِن منازل كثيرة دُمّرت. قبل 12 عاماً، ظنّ الغزاة أنّ تلك القرية خلت، تماماً، فتقدّموا بمدرّعاتهم نحوها. عند المغيب، كان هناك مَن ينتظرهم: كمين مُحكم للمقاومة أطلق نحوهم صواريخ مضادّة للدروع. دُمّرت 4 دبابات «ميركافا». انفجرت بذخائرها وأكلتها النيران. سقط الغزاة بين قتيل وجريح. قبل 40 عاماً أطلقت «ميركافا» قذيقة على تلك السيّارة، هناك تماماً، عند المقبرة، فقتلت عائلة درويش، إذ كان الأب يسعى لإبعاد الموت عن أطفاله. احتاج الأمر 28 عاماً ليتغيّر كلّ شيء... لتُدمّر 4 دبّابات، هناك، وتحترق بمَن فيها. كانت تلك إشارة إلى أنّ الأشياء تغيّرت. كان ذلك شيئاً مِن دورة الزمن.