مفهومٌ أنْ تبادرَ القوى الحاكمة بعد الطائف وتحتشِد ضد الرئيس العماد ميشال عون وتكثّف هجومها. لطالما تصدرت الحكم، ولكن انقلبت الأحوال نحو مسار يعيد الأحجام إلى نصابها الحقيقي ويمنع تغوّلها على حساب انكفاء، لا بل اضمحلال دور رئاسة الجمهورية بعد عام 1990، التي جعل تطبيق الطائف شاغلها مجرداً من أي حيثية شعبية أو سياسية، ومن هنا يفهم لماذا يُعاد رفع شعار «استهداف الطائف» لدى كل ممارسة حقيقية وكاملة لصلاحيات رئيس الجمهورية، ليس في العهد الحالي، بل في أيام الرئيس إميل لحود أيضاً. لأن المقصود بهذا الشعار التحريضي للرأي العام في البيئات الإسلامية في لبنان أنَّ الطائف مرتبط عضوياً برئيس ماروني ضعيف ولا يستقيم إلا بوجوده، واستطراداً أن الرئيس القوي تهديدٌ له.

إنَّه المانع والحاجز الأساس أمام تغوّل القوى السياسية التي تمجّد الأحادية في طوائفها ومذاهبها وتنبذ التعددية، إلا في البيئة المسيحية حيث تصبح هذه التعددية ولو لاستفادة زعامات لا تتجاوز حيثيتها حدود مناطقها، تعويذةً يُستعان بها وأيقونةً سياسية.
يضاف إلى هذا المسار من احتشاد «قوى 13 تشرين» في التصويب على عهد عون، تجمعٌ آخر تختلط فيه النقمة المحقة لمواطنين وشرائح مختلفة، مع جهات وأصوات إعلامية و»مدنية» فوضوية تضع كل عوامل الإعتراض في «خلّاطة» واحدة وتستغل أي نقطة سوداء لتقذف بهذا المزيج في اتجاه بعبدا. أزمة سير، أزمة صحة، أزمة إسكان، فساد في الدوائر... كل شيء في النهاية بات ميشال عون مسؤولاً عنه، وكله للسعي إلى صناعة صورة مفادها أنَّ هذه الشخصية تشبه غيرها على طريقة الشعار التعميمي التضليلي «كلّن يعني كلن».
هذا البعد الثاني في الإحتشاد له ما يغذيه. ذلك أن قيحَ «الدمامل» الكثيرة في الجسم اللبناني بدأ يفيض ذاهباً بكل ما اعتمل فيه بطريقه، لكن المفارقة أن جوهر الإستخدام يكمن في توجيهه نحو من يحمل مشروعاً إنقاذياً إصلاحياً، لا في وجه من أعملَ حرابَه في أجساد اللبنانيين ومستقبل أولادهم، المنظومة التي لعبت بسعر صرف الليرة، ما أدى إلى تدهورها وأتت على أنقاض الدولة، وذلك لصنع مشروع الإنقاذ الكاذب الذي أتى وحكم بالتكافل والتضامن مع ميليشيات الحرب التي تحولت إلى ميليشيات السلم في الخوات والنهب وتجويف الدولة، ثم جددت نفسها بعد انحسار الراعي الإقليمي وذهاب حلفائها في النظام السوري واحداً تلو الآخر.
إنَّ فيضان هذا القيح والعفن هو سبب للوقوف إلى جانب ميشال عون، لا حمل المعاول لتقويض عهده. وإذا كان هناك من خطر انهيار، فهو الحاجز الأساس والأخير أمام سقوط الهيكل وعلى من فيه، وقوة الدفع لكي يبقى للبنانيين والأجيال الطالعة مساحة للجمع. لقد ورث ميشال عون كرة نار لم يهرُب من مواجهتها كجبناء السياسة اللبنانية، بل تلقفها في صدره كعادته، عاملاً على إعادة ركائز الدولة وتأمين الغطاء اللازم للإدارات والأجهزة لتمارس مسؤولياتها.
لم يقُل عون مرةً إنّه يحمل عصا سحرية لغول الفساد المتضخم بأحاديات القوى المسيطرة على طوائفها، أو أنّه سجّان لرموز الحرب المتلطية بشرعيةِ التمثيل الطائفي. كل ما يريده لبنانيو وراثةِ الجريمة التي لا تزال تفتك بهم أن يوقف مساراً انحدارياً، ويشقّ درباً لغدٍ أفضل، أو أن يمنعَ حرائق من تلك التي كادت تشتعل ذات يوم من تشرين الثاني الماضي، وقد فعلها في غضون عامين.
ميشال عون هو «سيزيف» اللبناني الذي لا يكل من دفعِ الصخرة التي نحاول إبعادها، ثم تعود لتنقلبَ علينا. الباقي مسؤوليتنا نحن. أسهل طريق أن تحملَ معولاً وتهدِم، لكن الأصعب هو تحمل المسؤولية وممارستها، لأنَّ بديلَ الرئاسةِ القوية ما هو إلا استعادة للماضي الأليم والمسار الميليشيوي والتدميري الذي حكمنا منذ التسعينيات، «على ما علِمنا وذُقنا».
*صحافي وباحث سياسي