«الاستغلال الجنسي والاقتصادي أمام القضاء بين الحاضر والغائب» كان عنوان ندوة عرضت خلالها «المفكرة القانونية»، أمس، دراسة أجرتها على 34 قضية تندرج تحت عنوان الاتجار بالبشر (يعدّ جريمة بموجب قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص الذي أقر عام 2011)، نظرت فيها محكمة الجنايات في بيروت وبعبدا بين عامي 2016 و2017. علماً أن أياً من المتضررين المعنيين في الحالات الـ34 لم ينل تعويضاً.

نتيجة الدراسة كشفت عن تهميش لفئات تتعرض لمختلف أنواع الاستغلال، لعدم شمولية القانون لها، من عمال مهاجرين ونساء أجنبيات عاملات في مجال الترفيه في الملاهي الليلية، وأطفال عاملين في مجال الزراعة بشكل قسري.
الحالات قسّمت إلى ثلاث: تسوّل الأطفال، الدعارة، وقضايا استغلال العاملات الأجنبيات. كان التساؤل المطروح حول التسوّل متعلقاً بعدم أخذ المحاكم في الاعتبار مفهومين له: التسول كاستغلال والتسوّل للاسترزاق. فضلاً عن ثغرات عدة، منها تغيّب الأطفال الضحايا فلا يُستمع إلى إفاداتهم ويُحوّلون مباشرة إلى دور رعاية. كل هذا تكون نتيجته عدم معرفة شكل الاستغلال والوسائل التي استخدمت فيه والظروف التي أدت إلى وقوعه، ما يمنع اتخاذ قرار عادل وسليم.
ثغرات من نوع آخر قُدّمت من خلال نموذجين لمحاكمتين أجريتا عامي 2017 و2018 لامرأتين «متهمتين» بقضايا دعارة، إحداهما قاصر. أولى الثغرات الاعتداد بموافقة الضحية على الاستغلال (أي الدعارة)، ما يعد مخالفاً للقانون الذي ينص على أن الموافقة لا تدين الضحية. ثانياً، شككت المحكمة في صدقية إحدى الضحيتين تبعاً لأحكام نمطية (لا يمكن تصديقها لأنها قاصر، تمارس الدعارة، ليست على معرفة شخصية مع من استغلها، الخ...).
قضايا العاملات الأجنبيات التي طرحها المحامي نزار صاغية، عولجت انطلاقاً من اعتبارها قضايا استغلال مغيبة. فمن بين 197 محاكمة خضعت لها 197 عاملة أجنبية في لبنان، 16 فقط حضرن محاكماتهن، فيما 91% منهن لم تكنّ موجودات لدى إصدار الحكم. عاملتان فقط من هؤلاء حظيتا بتوكيل محامٍ ومترجم، و5 منهن واجهن صاحب العمل. وفي أغلب الأحيان، كانت تحوّل القضية من قضية استغلال، إلى قضية تحقق مما إذا كانت العاملة تملك إقامة أم لا.
قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص أقر عام 2011 «بعد ضغط أميركي كبير على لبنان» بحسب المسؤولة عن الدراسة المحامية غيدا فرنجية. كسب رضا المجتمع الدولي كان الدافع الرئيسي، وليس الحرص على حماية ضحايا الاستغلال بمختلف أوجهه. بحسب فرنجية، «التقرير الوحيد الذي يجمع كافة القرارات المتعلقة بالاتجار بالأشخاص، والصادرة عن المحاكم اللبنانية، تعده وزارة العدل كتحقيق كل فترة لا تتعدى السنة، وتقدمه للسفارة الأميركية. وهو ليس موجوداً لدى أي جهة حكومية أو غير حكومية أخرى»!