لم تساهم المشاورات التي جرت، أمس، في كسر المراوحة المستمرة في ملف تشكيل الحكومة، بل صبّت في خانة سعي معظم الأطراف إلى إبعاد تهمة العرقلة أو تحمّل مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة عن نفسها. وفيما كان من المُنتظر أن يزور وزير الخارجية جبران باسيل وادي أبو جميل للقاء رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، فاجأ باسيل الجميع بزيارة عين التينة للقاء الرئيس نبيه برّي، في مسعى قام به نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي لفتح أبواب جديدة أمام رئيس التيار الوطني الحر، بعدما قرر هو إقفال أبوابه مع الحريري وقبله مع النائب السابق وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.

وقد وصفت مصادر المجتمعين في عين التينة اللقاء بـ«سوبر إيجابي، وساده الكثير من الودّ». وأوضحت لـ«الأخبار» أن «شقاً من اللقاء كان استراتيجياً، وكان هناك توافق كبير على مقاربة قضايا المنطقة والحرب في سوريا وملف النازحين». وكذلك الأمر في ما يتعلق بملف تأليف الحكومة و«ضرورة اعتماد مبدأ وحدة المعايير»، مع التشديد على «أننا كلنا نريد حكومة وحدة وطنية ونريد سعد الحريري على رأسها». كذلك فإن الرؤية كانت متقاربة في أن سبب التأخير في تأليف الحكومة يبدو خارجياً أكثر منه خلافاً على الحصص والحقائب، وفي «أن هناك محاولة للتشاطر عبر إظهار منسوب كبير من التفاؤل ومحاولة رمي التعطيل على أطراف أخرى».
من جهته، كرر الفرزلي في اللقاء موقفه الداعي إلى تشكيل حكومة أكثرية، إلا أن بري كان واضحاً في إصراره على حكومة وحدة وطنية، وشدد على استمرار الحوار وعدم التمترس وراء الشروط والشروط المضادة، «لأن مثل هذا التمترس لا يُمكن أن يصل بنا الى أي مكان، بل سيبقي الأزمة مستمرة».
أما باسيل، فقد أكد أنه لا يستهدف أحداً، إنما «أطالب بحصتي فقط. من يُرِد أن يعطي فليعطِ من حصته»، فأجابه بري: «المهم أن لا نتمترس عند مواقفنا». هنا، تطرق باسيل إلى موضوع النسبية في الحكومة، مشيراً إلى أن «هذه النسبية تجعل حصتنا أكبر. مع ذلك ارتضينا بحصتنا كما هي الآن، وذلك في سبيل تسهيل التأليف. ونحن على قناعة بذلك».
وأشار باسيل إلى أن الجميع يحمّلوننا مسؤولية العرقلة، إلا أنني لا أطالب إلا بحصتي. علماً أن بري سأله في الاجتماع عن سبب عدم لقائه الحريري، فأجابه: «إذا اجتمعت به ولم تحصل أي حلحلة، فإنني بذلك أثبت التهمة الموجهة إليّ بعرقلة التشكيل».
واستقبل الحريري الوزير علي حسن خليل الذي أطلعه على مضمون لقاء بري والفرزلي وباسيل. وفيما تردد أن الحريري سأل عمّا إذا كان باسيل قد طلب من بري أن يكون وسيطاً بينه وبين الحريري، قال رئيس المجلس بعد اطلاعه من خليل على نتائج اللقاء مع رئيس الحكومة المكلف: «لست وسيطاً، ولم يفوّضني أحد، لكنني أحببت أن أبادر إلى نقل الإيجابيات التي سمعتها لتقريب المواقف».
من جهته، أبلغ الفرزلي «الأخبار» أنه مع تفهمه لسعي معظم الأطراف إلى حكومة وحدة وطنية، إلا أن الإصرار عليها هو الذي يساهم في تأخير تشكيل الحكومة وتعطيل دور مجلس النواب. وأكد أن معركته كمواطن هي إعادة إنتاج النظام الديموقراطي البرلماني، وأول شروطه وجود حكومة ومعارضة برلمانية قادرة على المحاسبة (حكومة أكثرية تقابلها معارضة فاعلة).

«لبنان أولاً»: أوامر خليجية تمنع تشكيل الحكومة


ومن بيت الوسط، لم يتأخر الحريري بالرد على الدعوة إلى تشكيل حكومة أكثرية في حال تعذُّر تشكيل حكومة وحدة وطنية، فشدد على أنه «حصل على 112 صوتاً من النواب لتسميته رئيساً للحكومة لكي يشكل حكومة وفاق وطني». وقال: «أنا لست مع حكومة أكثرية، بل على العكس، الإجماع الذي حصلنا عليه والتسوية التي قمنا بها، هما فقط لكي يكون كل الأفرقاء في الحكومة، ونتحمل جميعاً مسؤولية الأمور في البلد»، مؤكداً أن «أحداً لم يطالبه بحسم قراره». وقال: «إذا كان هناك من يرغب في تحميلي المسؤولية، فإن الشعب اللبناني يعرف من المسؤول عن العرقلة في الواقع».
وكانت كتلة المستقبل قد عقدت اجتماعاً برئاسة الحريري، وأكدت دعمها للرئيس المكلف «في جهوده لتأليف حكومة وفاق وطني تتمثل فيها المكونات الفاعلة للشراكة الوطنية في المجلس النيابي، وذلك بما يتلاءم مع أوسع نطاق ممكن لما أسفرت عنه نتائج الاستشارات النيابية الملزمة». ورفضت الكتلة أي آراء واقتراحات ومحاولات لإسقاط أي أعراف جديدة على عملية التأليف. ولفتت انتباه كل المعنيين في هذا الشأن إلى أن المعيار الوحيد الذي يتمسك به الرئيس المكلف ويعمل بمقتضاه هو المعيار الذي نصّ عليه الدستور، ومعيار المصلحة الوطنية التي توجب الخروج من دوامة الحصص والشروع بإطلاق عجلة العمل الحكومي في أسرع وقت.
كذلك أعلن تكتل «لبنان القوي» بعد اجتماعه برئاسة باسيل، أن التأليف بيد الرئيس المكلف «وقد طالبنا باعتماد معايير مشتركة نتيجة الانتخابات النيابية». وقال النائب شامل روكز الذي تلا البيان للمرة الأولى إن تأخير ولادة الحكومة «تفوح منه الأوامر الخليجية، التي تمنع تشكيل حكومة تتوازن مع واقع لبنان ظنّاً منهم أنهم قد يربحون بالسياسة ما خسروه في الحرب والانتخابات». وكان التكتل حاسماً في تأييده لعقد المجلس النيابي جلسات تشريعية، في ظل تصريف الأعمال.